اتجاهات السياسة النقدية والمصرفية ............. ثلاثة أعوام من الإصلاح النقدي

 

لقد نهجت سورية بقيادة السيد الرئيس بشار الأسد منذ بداية ولايته الدستورية عام 2000 نهج الإصلاح الشامل وقامت بخطوات عملية متدرجة ومتتالية ومدروسة، ويعتبر القطاع المالي والمصرفي قاطرة الإصلاح حيث شهد تطويرا وتغييرا كبيرا بغية خدمة وإنجاح عملية الإصلاح الهادفة إلى تحسين أداء الاقتصاد السوري ورفع كفاءته وتنافسيته استعدادا لاقتصاد ما بعد النفط.

وفي هذا السياق فقد لحظت الخطة الخمسية العاشرة للأعوام (2005 – 2010) ضرورة تحقيق معدلات النمو الاقتصادي المطلوبة للوصول إلى الأهداف النهائية للخطة، حيث تعتمد بصورة أساسية على زيادة حجم الاستثمارات العامة والخاصة، الوطنية منها والعربية والأجنبية، بصورة متزامنة ومتلازمة مع أمرين:

 

أولاً: تطوير القطاع النقدي وضمان الاستقلالية التامة لمصرف سورية المركزي وللقرارات التي يقوم باتخاذها.

ثانياً: تطوير القطاع المالي و المصرفي والسياسات المالية وإقلاع السوق المالية.

 

وإن نجاح عملية التنمية الاقتصادية ورفع معدلات النمو الاقتصادي من خلال جذب مزيد من الاستثمارات إنما هو مرهون بإيجاد قاطرة قادرة على تحفيز عملية النمو، وقد تم السعي لخلق منظومة عمل مصرفي متكاملة تقوم على تفعيل دور مصرف سورية المركزي الذي يمثل حجر الأساس في هذه المنظومة وربطه بقاعدة مصرفية واسعة متينة ومنوعة من خلال لائحة من القوانين والقرارات والتشريعات الناظمة التي تسن بما يتناسب والمعايير والأعراف الدولية.

 

ويمكن إيجاز السيرورة التي انتهجتها عملية إصلاح القطاع النقدي على النحو الآتي:

 

أولاً _ على صعيد إصلاح مصرف سورية المركزي:

فقد تم إعادة إحياء دور مصرف سورية المركزي في الحياة الاقتصادية بعد أن غيب عن عمله لمدة تقارب أربعين عاما وذلك من خلال صدور قانون النقد الأساسي رقم (23) لعام 2002 والذي يعد مفصلا هاما في تاريخ السياسة النقدية في سورية فإلى جانب قيامه بإعادة تفعيل دور مجلس النقد والتسليف على اعتباره السلطة النقدية الأعلى في سورية، فقد رسم هذا القانون الخطوة الأولى على طريق استقلال مصرف سورية المركزي إذ نص بشكل واضح على اعتبار مصرف سورية المركزي مؤسسة مالية مستقلة تعمل ضمن التوجهات الاقتصادية العامة التي تقرها رئاسة الوزراء، واستكمالا لهذه الخطوة وحرصا على تعميق استقلالية مصرف سورية المركزي وضمان مصداقيته وشفافية إجراءاته يجري اليوم العمل على تعديل هذا القانون باتجاه منح المصرف المركزي مزيدا من الاستقلالية ومن ناحية أخرى فقد تم وبالتنسيق مع وزارة المالية وبمساعدة بعض الجهات العربية والدولية العمل على منهجة وتوضيح العلاقة بين المصرف المركزي ووزارة المالية من خلال إطلاق أذونات وسندات الخزينة بموجب المرسوم التشريعي رقم (60) لعام 2007، ومن جانب آخر فقد بدأ مصرف سورية المركزي منذ بداية عام 2005 بالسعي لإيجاد أفضل السبل لممارسة وظائفه الطبيعية بإدارة واختيار نظام الصرف الأمثل والتدخل بالسوق للحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة السورية.

 

ثانياً _ على صعيد إصلاح القوانين والقرارات والتشريعات الناظمة:

لقد حظيت عملية إصلاح لائحة القوانين والقرارات والتشريعات الناظمة بأهمية بالغة باعتبارها النسيج الذي يتيح فرصة دخول المؤسسات المالية إلى سورية من جانب، ويعطيها الإمكانية لممارسة نشاطها وتنويعه من جانب آخر، ضمن ضوابط تضبط آلية عملها وممارساتها بما يتلاءم والأهداف المحددة من قبل السلطة النقدية والمعايير العالمية، وفي هذا السياق يمكن الحديث عن منعطف تاريخي خلال العامين المنصرمين على صعيد إصلاح ما هو قائم من تشريعات وقوانين وقرارات في المجال النقدي والمالي واستصدار المزيد منها بما يخدم أهداف المرحلة، ويمكن إجمال القوانين والقرارات والتشريعات المصدرة بغية استكمال عملية الإصلاح المصرفي في ثلاثة فئات:

 

تشريعات إحداث المؤسسات المالية:

على اعتبار أن خلق منظومة عمل مصرفي متكاملة بحاجة إلى قاعدة واسعة ومتنوعة من المؤسسات المالية التي تشكل الأركان الأساسية لعمل هذه المنظومة فقد تم استصدار عدد من التشريعات والقوانين الناظمة لاستحداث مثل هذه المؤسسات يمكن إجمالها بما يلي:

القانون رقم (28) لعام 2001 القاضي بإحداث المصارف الخاصة

المرسوم رقم (35) لعام 2005 القاضي بإحداث المصارف الإسلامية

القانون رقم (24) لعام 2006 القاضي بإحداث مؤسسات ومكاتب للصيرفة

المرسوم رقم (15) لعام 2007 القاضي بإحداث مصارف تعنى بالتمويل الصغير والمتناهي في الصغر

المرسوم التشريعي رقم (43) لعام 2005 القاضي بإحداث مؤسسات التأمين بما فيها مؤسسات التأمين التكافلي الإسلامي

لقد ساهمت هذه التشريعات جميعها بإغناء البيئة النقدية والمالية في سورية بشتى أنواع العمل المالي من مصارف تجارية تقليدية ومصارف إسلامية ومؤسسات صيرفة وشركات تأمين تقليدية وإسلامية ومؤسسات للتمويل الصغير، ولهذا انعكاس كبير من حيث تلبية متطلبات جميع شرائح المجتمع السوري الأمر الذي يتناسب ومبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه يخدم أهداف ومتطلبات السياسة النقدية من حيث كون هذه المؤسسات هي الجهات الأساسية المتأثرة بقرارات السياسة النقدية التي يتوقف مفعولها وقدرتها في إحداث الأثر النهائي المطلوب على مدى استجابة هذه المؤسسات وطريقة استجابتها.

 

التشريعات الناظمة لعمل المؤسسات المالية:

إن هدف إصلاح القطاع المالي كما حددته الخطة الخمسية العاشرة لا يتوقف على إيجاد بيئة عمل مصرفي ومالي فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى تعميق السوق المالي وتنشيطه وتنويع منتجاته وقنوات عمله لذا فقد حرصت السلطة النقدية على استصدار العديد من القرارات الكفيلة بتفكيك القيود المالية القديمة وإتاحة الفرصة للخوض في العمل المصرفي بأوسع أشكاله وبأسلوب تنافسي حر يتناغم ومبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي الذي أعلنته سورية منهجا لا عودة عنه، فعلى سبيل المثال لا الحصر قامت السلطات النقدية ووفقا لقرارات مجلس النقد والتسليف بالخطوات التالية:

  • إحداث السوق ما بين المصارف التي تتيح تعامل المصارف فيما بينها من جهة وفيما بينها وبين المصرف المركزي من جهة أخرى سواء بالليرة السورية أو بالقطع الأجنبي.
  •  تحرير أسعار الفائدة المدينة وإعطاء المصارف هامش حركة 4% حول معدلات الفوائد الدائنة المحددة من قبل مجلس النقد والتسليف.
  • السماح للمصارف بإصدار شهادات إيداع مصرفية.
  • السماح للمصارف بتمويل كافة المستوردات للقطاعين الخاص والمشترك.

 

 

القرارات والتعليمات الخاصة بالرقابة على المؤسسات المالية وضبط آلية عملها:

ولعل إصلاح هذا الجانب يعد من أهم مناحي الإصلاح إذ أن انتفاء وجود رقابة مالية على عمل المؤسسات المالية من شأنه أن يؤدي إلى تشتت آليات العمل وانحراف الممارسات عن القواعد الموضوعة من قبل السلطات النقدية للوصول إلى بيئة مالية منسجمة ومتواكبة مع المعايير والممارسات الدولية كما أن وجود مثل هذه التشريعات يعزز تطبيق مبادئ الحوكمة لدى الجهاز المصرفي، لذا حرص مصرف سورية المركزي على الارتقاء بسوية الرقابة المصرفية من خلال تطوير مديرية مفوضية الحكومة لدى المصارف المعنية بعملية الرقابة المصرفية، وتدريب العاملين فيها وزيادة مهاراتهم وخبراتهم، بالإضافة إلى قيام مجلس النقد والتسليف من خلال قراراته باعتماد تطبيق أهم المعايير المحاسبية الدولية وعلى رأسها معايير بازل 2 كمعايير إدارة مخاطر السيولة، والتعليمات الخاصة بمعايير إدارة مخاطر الائتمان، والتعليمات الخاصة بتصنيف مخاطر الديون، ونظام تكوين المؤونات للديون غير المنتجة، والحدود القصوى المسموح بها لتركز المخاطر المصرفية، والتعليمات الخاصة بالمخاطر التشغيلية، ومعايير كفاية رأس المال، إلى جانب استحداث قسم خاص بمركزية المخاطر لدى مديرية المفوضية.

ومن جانب آخر فقد تم استصدار المرسوم التشريعي رقم (33) لعام 2005 بهدف الرقابة على العمليات المصرفية وحمايتها من عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب

وليست الصيرفة الإسلامية بعيدة عن معايير الرقابة المصرفية فقد أجاز المرسوم (35) للمصرف المركزي فرض تطبيق المعايير الصادرة عن كل من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومجلس الخدمات المالية الإسلامية، ما يؤكد حرص المصرف المركزي على توفير مقومات نجاح هذه المصارف وإخضاعها شأنها شأن المصارف التقليدية لرقابته ولأسلوب عمل ومعايير موحدة تنسجم وتطلعات السياسة النقدية وأهدافها.

 

إن النتائج المباشرة والملموسة لجهود الإصلاح المبذولة هي الوصول إلى منظومة عمل مصرفي متينة، واسعة، ومتنوعة، فاليوم هناك في سورية على صعيد المصارف ستة مصارف عامة شاملة تعملا جنبا إلى جنب وبالتنافس مع تسعة مصارف خاصة إلى جانب ثلاثة مصارف إسلامية تم الترخيص لها حديثا بالإضافة إلى العديد ت الترخيص التي مازالت قيد الدراسة، أما على صعيد شركات الصرافة فقد تم الترخيص حتى اليوم لثمان شركات صيرفة ومكتبين إضافة إلى الطلبات الأخرى التي مازالت بانتظار استكمال كافة الأوراق الثبوتية.وعلى صعيد صناعة التأمين فقد تم الترخيص لعدد من مؤسسات التأمين ومن المتوقع الترخيص قريبا لعدد من مؤسسات التأمين التكافلي الإسلامي.

 

إن الهدف من إصلاح النظام المالي إنما يكمن في تلبية متطلبات واحتياجات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية من جهة، وفي تأمين تربة مناسبة وخصبة قادرة على إنتاج ثمار الإصلاح وأهدافه من جهة أخرى.

ولا يخف على احد بأن المصرف المركزي بدعم جاد من الحكومة وبتوجيهات السيد رئيس الجمهورية قد قطع شوطاً كبيراً بهذا الاتجاه، إذ حقق خلال العامين الماضيين نجاحاً كبيراً في بناء دعائم سليمة لسياسة نقدية فعالة لا تقوم على مبدأ رد الفعل وإنما على قواعد ثابتة ومعلنة حيث حدد مصرف سورية المركزي استقرار الأسعار هدفا له على المدى البعيد كما عمل على استهداف سعر الصرف على المدى المتوسط مع سعيه المستمر لتفعيل مزيد من ادوات السياسة النقدية غير المباشرة

ويمكن إيجاز الخطوات التي اتخذها المصرف المركزي في سبيل بناء سياسته النقدية على النحو التالي:

  1. لقد تمكن المصرف المركزي من تحقيق هدفه بتأمين استقرار سعر صرف الليرة السورية على الرغم من الأزمات الحاصلة في دول الجوار والضغوطات السياسية التي تمارس على سورية، ولعل تتبع أسعار الصرف خلال عام 2006 وحتى اليوم خير دليل على ذلك حيث يحافظ سعر الصرف على استقراره مع ارتفاع تدريجي لقيمة الليرة السورية منذ بداية عام 2006 .
  2.  إضافة إلى ذلك تمكن المصرف المركزي من خلال ما اتخذه مجلس النقد والتسليف من قرارات من تأمين المناخ الملائم للوصول إلى توحيد سعر صرف الليرة السورية والذي تم بدء العمل به في مطلع العام الجاري وفقا لقرار السيد رئيس مجلس الوزراء رقم (5787) تاريخ 20/12/2006 .
  3. كما أعلن المصرف المركزي تبنيه نظام سعر صرف يضمن إدارة فعالة لسعر صرف حقيقي، مستقر، وفك ارتباط الليرة السورية بالدولار الأمريكي مقابل ربطها بسلة عملات "وحدة حقوق السحب الخاصة" وذلك موجب قرار السيد رئيس مجلس الوزراء رقم (3424) تاريخ 15/8/2007 ، وذلك لحماية قيمة الليرة السورية من تقلبات أسعار الصرف العالمية ولجعل سعر صرف الليرة السورية يتناسب وواقع ميزان المدفوعات السوري.
  4. هذا إلى جانب ما قام به مصرف سورية المركزي لتصحيح دورة القطع في سورية وإرساء دعائم سوق نقدية سليمة إذ اتخذ مجلس النقد والتسليف قراره رقم (197) تاريخ 25/4/2006 والمعدل بالقرار رقم (249) تاريخ 26/12/2006 الذي ينص على وجوب اعتماد المصارف التعليمات الخاصة بمراكز القطع الأجنبي، نظراً لأهميتها في حماية المصارف من مخاطر تقلبات أسعار الصرف، كذلك للحد من المضاربة على الليرة السورية، وإعادة دورة القطع إلى وضعها الصحيح من خلال دخول المصرف المركزي كلاعب أساسي في السوق النقدية وتدخله في بيع وشراء القطع الأجنبي من المصارف وفق ما ينص عليه هذا القرار، وبالتالي تعزيز دوره في الحفاظ على قيمة العملة الوطنية.
  5. كما قام مجلس النقد والتسليف باتخاذ القرار رقم (201) تاريخ 24/5/2006 الذي أقر التعليمات التنفيذية لمزاولة مهنة الصرافة وبذلك يكون مصرف سورية المركزي قد ضم جزء كبير من سوق القطع الأجنبي غير الرسمي ضمن سوق القطع الرسمي، مما يضمن تفعيل قدرة مصرف سورية المركزي في الرقابة على عمليات القطع وضمان استقرار نظام الصرف.
  6. إلى جانب ذلك ولتجنب آثار الحظر الأمريكي على التعامل مع المصرف التجاري السوري قام مصرف سورية المركزي باتخاذ القرار رقم 184 تاريخ 23/1/2006 لاعتماد عملة اليورو بدلا من الدولار الأمريكي في جميع تعاملات القطاع العام والمشترك.
  7. كذلك قام مجلس النقد والتسليف وبالاعتماد على خطته التدريجية التي اعتمدها لتعديل هيكلة الودائع لدى المصارف والانتقال نحو تحرير الفوائد باتخاذ القرار رقم (216) تاريخ 16/8/2006 والذي جعل من الفوائد المدينة المحددة وفقا لقرارات مجلس النقد والتسليف السابقة مجرد معدلات تأشيرية تسترشد بها جميع المصارف العاملة في سورية الخاصة منها والعامة وذلك كخطوة أولى نحو تحرير الفوائد كما قام مؤخرا باتخاذ قراره رقم (289) تاريخ 18/6/2007 والذي أعطى المصارف العاملة هامش حركة ±2% حول معدلات الفوائد الدائنة التي أقرها قرار الفوائد الأخير رقم (174) تاريخ 3/12/2005 .
  8. ومن ناحية هيكلة السوق المالي وتعميقه فقد تم اتخاذ حزمة من الإجراءات لتطوير السوق المالي التي أصبحت تشتمل اليوم على ستة مصارف عامة شاملة بعد أن كانت مجرد مصارف متخصصة، وثمانية مصارف خاصة وثلاثة مصارف إسلامية وعدد من مؤسسات التأمين إلى جانب عدد من طلبات الترخيص التي ما زالت قيد الدراسة، إضافة إلى سوق دمشق للأوراق المالية والتي سيكون لها دور كبير في تنشيط السوق المالي وتعميقه، وقد ترافقت عملية توسيع السوق هذه بتطوير المصرف المركزي لآلية الرقابة على المصارف، واستصدار العديد من القرارات التي تضمن اتساق النشاط المالي في سورية مع المتطلبات والمعايير الدولية ولعل أهمها معايير بازل للرقابة المصرفية.

9.     كذلك فقد قام المصرف المركزي بتنويع نشاط السوق المالي من خلال طرح مزيد من المنتجات المصرفية كشهادات الإيداع المصرفية، والسماح للمصارف بتمويل جميع مستوردات القطاعين الخاص والمشترك وذلك بموجب قرار السيد رئيس مجلس الوزراء رقم (5204) تاريخ 15/11/2006  المتعلق بتحرير كامل الحساب الجاري أيضا تم استصدار حزمة من القرارات التي تخول المصارف التعامل بالقطع الأجنبي وتقديم خدمات جديدة للمواطنين في هذا المجال ، كالسماح بفتح حسابات بالعملات الأجنبية وتحرير جميع العمليات غير التجارية كشراء القطع لأغراض الدراسة والسفر والاستشفاء، كما تم العمل على إيصال خدمات الائتمان المصرفي إلى الطبقات الاجتماعية الفقيرة حيث تم إصدار المرسوم رقم 15 لعام 2007 الذي يسمح بإحداث مؤسسات مالية للتمويل الصغير والمتناهي في الصغر .

10. بنتيجة ذلك فقد تطور القطاع المصرفي الوطني بصورة ملحوظة وأصبح أكثر نشاطاً                                                               وفعالية، وللدلالة على ذلك لابد من عرض بعض المؤشرات المالية:

خلال الفترة الواقعة بين بداية عام 2005 ونهاية عام 2007 ازداد النشاط المصرفي بشكل ملحوظ ، من حيث الودائع والتسليفات بالليرات السورية والقطع الأجنبي .

حيث ارتفعت إيداعات القطاع الخاص لدى القطاع المصرفي السوري بالليرة السورية والقطع الأجنبي في الفترة الواقعة بين عام 2005 ومنتصف عام 2007 من 433 مليار ليرة سورية إلى 600 مليار ليرة سورية، وهذا يدل على زيادة الثقة بالقطاع المصرفي وزيادة نشاطه، ويعود الجزء الأكبر من هذا النشاط إلى توسع المصارف الخاصة التي حازت في نهاية النصف الأول من عام 2007 على أكثر من 30% من الإيداعات ومن المتوقع أن تقارب الـ 35% في نهاية عام 2007.

ومن الملفت للنظر الارتفاع الكبير في إيداعات القطع الأجنبي حيث ارتفعت من 25 مليار ليرة سورية في بداية عام 2005 إلى 126 مليار ليرة سورية في منتصف عام 2007 ، أكثر من 75% منها مودعة لدى القطاع المصرفي الخاص.

ومن الجدير ذكره تسارع نشاط المصارف الخاصة على جميع الأصعدة فعلى صعيد ودائع القطاع الخاص ابتدأت المصارف الخاصة نشاطها في بداية عام 2005 بحجم ودائع بالليرات السورية والقطع الأجنبي يعادل 8.6% من إجمالي حجم السوق بالنسبة لودائع القطاع الخاص فقط (حيث تم استبعاد ودائع القطاع العام- التي مازالت مودعة لدى القطاع المصرفي العام- لغايات المقارنة بين المصارف الخاصة والمصارف العامة)، ومع نهاية عام 2005 وصلت هذه الحصة إلى 14.6% ، اليوم ومع نهاية الشهر السابع من عام 2007 تطورت هذه الحصة لتصل إلى 31% .

أما على صعيد إيداعات القطاع الخاص بالقطع الأجنبي فقد أثبتت المصارف الخاصة قدرة كبيرة على اجتذاب هذا النوع من الودائع حيث بلغت حصة المصارف الخاصة مع بداية عام 2005 ما قيمته 35.2% من إجمالي إيداعات القطاع الخاص بالقطع الأجنبي لتصل إلى 60.6% مع نهاية عام 2005 و 75.6% مع نهاية الشهر السابع من عام 2007 ولهذا أثر كبير في تعزير صافي الأصول الأجنبية في سورية.

أما على صعيد التسليفات المقدمة للقطاع الخاص فقد تطورت إجمالي التسليفات المقدمة من المصارف العامة والخاصة للقطاع الخاص من 127 مليار ليرة سورية إلى 265 مليار ليرة سورية في منصف عام 2007 حيث بلغت حصة المصارف الخاصة من إجمالي التسليفات المقدمة للقطاع الخاص بالليرة السورية والقطع الأجنبي مع بداية عام 2005 ما قيمته 6.8% لتصل في نهاية العام إلى 8.4% و إلى 21% مع نهاية الشهر السابع من عام 2007.

وكما هو الحال بالنسبة للودائع يبرز نشاط المصارف الخاصة في مجال التسليف بالقطع الأجنبي الممنوح للقطاع الخاص حيث ابتدأت هذه المصارف نشاطها ب 8.4% مع بداية عام 2005 لتصل إلى 38.8% مع نهاية عام 2005 متجاوزة 62% مع نهاية الشهر السابع من عام 2007.

أما على صعيد تمويل التجارة الخارجية فيمكن القول أن المصارف الخاصة نشطت وبشكل ملحوظ حيث تمكنت من استحواذ الجزء الأكبر من عمليات تمويل السوق بعد مرور عام واحد فقط على صدور قرار السيد رئيس مجلس الوزراء رقم (5204) تاريخ 15/11/2006 القاضي بالسماح للمصارف المرخصة بتمويل المستوردات بالقطع الأجنبي، فقد وصلت حصة المصارف الخاصة من إجمالي عمليات تمويل المستوردات المنفذة وفقا لقرار السيد رئيس مجلس الوزراء المذكور خلال عام 2007 ولغاية الشهر التاسع فقط 95%.

11.   في هذا السياق أيضا لابد من الحديث عن الجهود الكبيرة والنجاحات التي حققتها سورية في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب حيث تم استحداث هيئة خاصة في مصرف سورية المركزي تعنى بالرقابة على العمليات المصرفية وبكل ما يتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وذلك بموجب أحكام المرسوم رقم (59) لعام 2003 والذي تم تعديله فيما بعد بموجب المرسوم رقم (33) لعام 2005 لينسجم بذلك مع توصيات مجموعة العمل المالي، كذلك فقد قامت سورية بالانضمام إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة تبييض الأموال المبرمة عام 1999،  وساهمت سورية بفعالية في تأسيس مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتكون قاعدة للتعاون الإقليمي في هذا المجال. وقد انتخبت سورية في عضوية فريق التقييم المشترك واستضافت أولى اجتماعات هذه المجموعة. كذلك كانت سورية أول دولة يتم تقيمها من قبل مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد أثبتت سورية من خلال هذا التقييم شفافية عالية والتزاماً كبيراً بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب، وهذا ما أكدته مناقشات تقرير التقييم المشترك الخاص بسورية خلال الاجتماع الرابع لمجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي انعقد في مدينة العين بدولة الإمارات العربية المتحدة في الرابع عشر من شهر تشرين الثاني الماضي، كما تم توقيع مذكرات تفاهم مشتركة مع بعض الدول لمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ونسعى لتوسيع قاعدة هذه الاتفاقات، ومؤخرا توجت كل هذه الجهود بانضمام سورية إلى مجموعة إيغمونت وبذلك يصبح عدد أعضاء مجموعة إيغمونت 107 وحدة تحريات مالية. من بينها ست وحدات تحريات مالية عربية فقط هي، الإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر ومصر ولبنان وسورية.

ومؤخرا فقد قام المصرف المركزي باتخاذ حزمة من القرارات الجديدة والتي ستلحظ نتائج العمل بها خلال عام 2008 حيث قام بما يلي:344

12.   إصدار قرار مجلس النقد والتسليف رقم (344) تاريخ 12/12/2007 الذي ينص على إلغاء المصارف القائمة بالمنطقة الحرة وتحويلها إلى فروع للمصارف المرخص لها بموجب القانون رقم (28) لعام 2001 ومنح هذه المصارف مهلة مدتها ستة أشهر لتوفيق أوضاعها وفق مضمون هذا القرار.

يعتبر هذا القرار خطوة في غاية الأهمية بهدف ضم كافة المصارف العاملة في الجمهورية العربية السورية تحت المظلة الإشرافية لمصرف سورية المركزي، من خلال تطبيق كافة القوانين والتعليمات الناظمة للعمل المصرفي والسارية حاليا على جميع المصارف المرخصة وفقا للقانون (28) لعام 2001، على المصارف العاملة في المنطقة الحرة.

إن هذا الإجراء من شأنه توحيد السوق المصرفية السورية، وتوحيد الممارسات المتبعة من قبل جميع المصارف العاملة، وحصر الإشراف على سلامة أدائها بالجهة المخولة لذلك ألا وهي مصرف سورية المركزي، مما يضمن تطبيق هذه المصارف لجميع المعايير المصرفية العالمية والممارسات المتعارف عليها ولاسيما معايير بازل للرقابة المصرفية، والمضمنة في قرارات مجلس النقد والتسليف بهدف حماية النظام المصرفي السوري من جميع أشكال المخاطر والأزمات المصرفية.

13.   إعداد الآلية اللازمة التي تمكن المستثمر المرخص له وفقا لقوانين تشجيع الاستثمار بالحصول على قرض خارجي بالعملة الأجنبية لصالح مشروعه سواء على شكل مبالغ بالعملة الأجنبية أو على شكل مقدمات عينية، ومن ثم تسديد هذا القرض وفوائده عن طريق المصارف السورية وتحديدا عن طريق المصرف الذي تم لديه فتح حساب المستثمر بالعملة الأجنبية واستجرار القرض من خلاله، حيث يكون بمقدور المستثمر التسديد سواء من حصيلة نشاطه بالقطع الأجنبي أو من خلال شراء هذا القطع من المصرف المذكور الذي يقوم بتحويل المبلغ إلى الخارج.

يعتبر اتخاذ هذا القرار خطوة متممة لقوانين تشجيع الاستثمار إذ أنه يشجع المستثمر على دخول السوق السورية دون الحاجة لتجميد قدر كبير من رأسماله في المشروع المنوي القيام به وذلك نظرا لتوافر إمكانية اقتراضه من الخارج والتسديد عن طريق المصارف المحلية، كما أن ذلك يمكن المصارف المحلية من تعميق نشاطها ويعزز الثقة بقدرة الجهاز المصرفي على توفير التسهيلات المطلوبة لجذب حركة الاستثمار الأجنبي.

14.       بهدف النهوض بالنظام المصرفي والمالي وتطويره والانتقال نحو مزيد من الاستقلالية واللامركزية، فقد عمد المصرف المركزي إلى نقل حسابات المدن والبلدات والبلديات المفتوحة لدى المقر الرئيسي بدمشق والتي تبلغ 1585 وحدة كل إلى محافظته حسب الاختصاص المكاني وذلك ابتداءً من 2/1/2008، حيث تلجأ الوحدات الإدارية عادة لدى تسوية معاملاتها (كحاجتها مثلا لتسديد فاتورة هاتف، كهرباء،خزينة مالية، أقساط مصارف، كشوف أعمال) إلى إرسال كتب تحويل بالمبالغ من حساباتها إلى المصرف المركزي بدمشق الذي يقوم بدوره بإجراء التحويل إلى فرع المصرف بالمحافظة التي تقع الوحدة الإدارية ضمنها حيث يعمل الفرع على إتمام التحويل إلى الجهة صاحبة العلاقة، لذا فإن أية عملية تحويل من تلك الحسابات كانت تستغرق مدة لا تقل عن أسبوعين، إن اعتماد هذه الآلية يضمن إتمام تحويل المبالغ من حسابات البلديات وعلى مستوى القطر بنفس يوم تسليم كتاب التحويل إلى المصرف المركزي الأمر الذي يسهل كثير من الإجراءات الإدارية التي كانت متبعة سابقا كما يقلل من تكاليفها إلى حد كبير ويضمن الحفاظ على دقة وسرعة الإنجاز ضمن الحد الأدنى من الزمن اللازم لإتمام مثل هذه التسويات.

15.   إلغاء العمولات على جميع التحويلات المصرفية الجارية بين المصرف المركزي والمصارف العاملة وفروعها وبينها وبين المصارف الأخرى في كافة المحافظات، كخطوة مهمة على طريق تنظيم الأعمال المصرفية وتشميلها لمجموعة من النشاطات التي كانت منوطة سابقا بجهات أُخرى، والمقصود هنا عمليات نقل الأموال التي كانت تتم خارج النظام المصرفي عن طريق شركات النقل المرخص لها من قبل إدارة البريد لممارسة الأنشطة البريدية التي تقوم بها المؤسسة لقاء دفع مبلغ معين .

16.   إحداث غرفة مقاصة للعملات الأجنبية (دولار – يورو) والتي تؤمن سهولة التحويل بين المصارف دون الحاجة إلى مصرف مراسل، إلغاء العمولات المترتبة على عملية التحويل، توفير الجهد والوقت وتخفيض الأعمال الإدارية التي تتطلبها عمليات التحويل، جعل عمليات المقاصة مغلقة داخل سورية، في حين كانت عمليات التقاص بالعملات الأجنبية بين المصارف العاملة تتم عن طريق مراسليها في الخارج، الأمر الذي يستغرق وقتاً وتكاليفاً أكبر تنعكس في ارتفاع تكلفة منتجات هذه المصارف المقدمة لزبائنها، إضافة إلى التعقيدات الإدارية الناجمة عن وجود طرف ثالث لإتمام العملية ألا وهو المصرف المراسل.

17.   إحداث فرع دمشق وإعطاء استقلالية كاملة لكافة فروع المصرف كخطوة جادة على طريق بناء دولة المؤسسات وترسيخ الشفافية والتفويض بالصلاحيات وتحمل المسؤوليات.

18.   تنفيذ مشروع الحوالة الالكترونية بين الفروع بشكل يضمن التنفيذ الآني للحوالة ووضع المبلغ بحساب المستفيد بشكل مباشر، وتنفيذ مشروع إنشاء غرف المقاصة في باقي فروع المصرف. إضافة إلى مشروع بناء وتقديم النظم المصرفية المتطورة وبناء نظام المدفوعات والتسويات، حيث انتهى المصرف المركزي من إعداد دفتر شروط نظام التسويات الإجمالية الآنية، كما يجري العمل على مناقشة الآلية اللازمة لتطبيق النظام المصرفي الشامل الذي يضمن تكامل أقسام المصرف مع بعضها البعض ويسهل اتصالها بالمصارف العاملة، وبهدف خلق البيئة التشريعية اللازمة للوصول إلى تطبيق سليم لهذه الأنظمة البنكية المتطورة فقد قام المصرف المركزي بإعداد مسودة مشروع قانون ينظم المعاملات الالكترونية، كما أعد دراسة كاملة حول الآلية الواجب إتباعها لترميز الشيكات تمهيدا للتعامل بالشيكات الالكترونية .

 

 

إن جميع هذه القرارات والإجراءات التي اتخذتها السياسة النقدية خلال العامين المنصرمين ما هي إلا مجموعة من الخطوات المتسقة والمتناغمة تشكل خطوة أولية ضمن خطة طويلة الأمد. فالطريق مازالت طويلة ومازال هناك العديد من الخطوات التي لابد من استكمالها وأهمها:

  1. إلغاء أنظمة الرقابة على النقد والتحرير الكامل للحساب الجاري من ميزان المدفوعات والبدء بالتحرير التدريجي والمضبوط للحساب الرأسمالي من ميزان المدفوعات.
  2. تطوير عملية الرقابة المصرفية وصولا إلى تطبيق معايير بازل كاملة والانسجام مع المعايير الدولية وقد تم تكليف لجنة من مصرف سورية المركزي بالعمل على وضع الآلية اللازمة للتحول من تطبيق معايير بازل 1 إلى تطبيق معايير بازل 2.
  3. إعداد دليل لمعايير الحوكمة التي تطبق على المصارف ومعايير الحوكمة الداخلية ضمن المصرف المركزي والتي من شأنها تحسين الإجراءات الداخلية.
  4. رفع التعديلات المناسبة لقانون النقد الأساسي رقم (23) لعام 2002 وقانون إحداث المصارف الخاصة بحيث تأتي منسجمة مع التطورات الحاصلة على صعيد السياسة النقدية خلال العامين المنصرمين وتلبي حاجة تطوير القطاع المصرفي.
  5. الاستمرار بتعميق السوق المالي من خلال الترخيص لمزيد من المصارف الخاصة والإسلامية.
  6. إصدار تشريع يسمح بممارسة عمليات التمويل والرهن العقاري.
  7. إصدار تشريع يسمح بممارسة عمليات التمويل التأجيري.
  8. إنشاء هيئة ضمان الودائع حيث تم الانتهاء مؤخرا من إعداد ورقة عمل حول متطلبات إنشاء هذه الهيئة.
  9. إعادة النظر في هيكلة المصرف المركزي بما يتناسب والمهام الجديدة المنوطة به كإحداث مديرية الأسواق المالية التي تتضمن جميع عمليات بيع وشراء القطع الأجنبي سواء في السوق المحلي أو في السوق العالمي وعمليات استثمار الاحتياطي الأجنبي مع إعادة النظر في الآلية المتبعة لإدارة هذه الاحتياطيات، كذلك إحداث مديرية خاصة بأنظمة الدفع تتولى مهام تشغيل آليات أنظمة الدفع المُدارة من المصرف المركزي، وتنفيذ مسؤوليات الإشراف على أنظمة الدفع الأخرى حيث قطع المصرف المركزي شوطا كبيرا في هذا المجال وقد انتهى مؤخرا من إعداد دفتر الشروط الخاص بتطبيق نظام تسوية المدفوعات الإجمالية (RTGS) وتم الإعلان عنه عبر صفحات موقع مصرف سورية المركزي الالكترونية.