النقد السوري في فترة الإنتداب الفرنسي

    بقي الجنيه المصري في الساحل السوري عملة البلاد الفعلية، أما داخل سورية فكان التعامل يقتصر على النقود الذهبية وخاصة الليرة العثمانية، وذلك لقلة اعتياد سكان الداخل التعامل بالنقود الورقية.

وقد استمر الجنيه المصري في التداول حتى 31 آذار عام 1920 حين وضعت سورية تحت الانتداب الفرنسي، وأصدر مكانه نقداً سورياً – لبنانياً مرتكزاً على الفرنك الفرنسي، وأعطى امتياز الإصدار " بنك سورية" الذي أخذ يصدر أوراقه اعتباراً من أيار عام 1920.

وقد حققت فرنسا من عملية إصدار النقد السوري  وسحب الجنيه المصري من التداول أمرين على غاية من الأهمية في تلك الفترة .

1- أصبح بإمكان السلطات الفرنسية تمويل جيوشها في سورية، وذلك أن بقاء الجنيه المصري في التداول يعني قيام السلطات الفرنسية بشراء الجنيه المصري بالجنيهات الإسترلينية أو الذهب... الأمر الذي يؤدي إلى نقصان احتياطها من الذهب أو الإسترليني  ويؤثر على سعر الصرف الفرنك في أسواق صرف العملات ..

2- أتاح سحب الجنيه المصري من التداول وإبطال التعامل به واستبداله بالليرات السورية لفرنسا كمية وافرة من النقد المصري المسحوب من التداول حيث زاد في موجداتها من القطع الأجنبي ومكنها من تسديد مدفوعاتها مع منطقة الإسترليني .

ولتنفيذ هذه الغاية كلفت البنوك وصناديق الجيش بمبادلة العملة السورية اللبنانية الجديدة بالعملة المصرية الملغاة، وحددت أمداً لهذه المبادلة.

وهذا الأمد يبدأ من 2 نيسان علم 1920 ولمدة ثلاثة أشهر مددت بعد ذلك شهراً رابعاً....

جعل قرار 31 آذار عام 1920 الليرة السورية – اللبنانية الوحدة النقدية في البلاد، ويتكون غطاء هذه العملة من الفرنكات الفرنسية بصورة تغلب على  عناصر التغطية الأخرى.

وجعلت الليرات قابلة للاسترداد لحاملها شيكاً على باريس بمعدل عشرين (فرنك فرنسي)، وقسمت بموجب القرار إلى مئة قرش كما خضع النقد السوري الجديد للتداول الإجباري ولعدم  قابلية الصرف بالذهب، لأن الفرنك الفرنسي نفسه كان خاضعاً للتعامل الإجباري  أما في المنطقة الشرقية فإن حكومة الملك فيصل أصدرت في نيسان 1920 قانوناً يضع نظامها النقدي ويجعل الدينار الوحدة النقدية وكان هذا الدينار مبنياً على قاعدة الذهب وترك العملة المصرية في التداول متمتعة بقوتها الإبرائية بمعدل 125 قرشاً سورياًُ لكل جنيه مصري ....

ولكن أمد حكومة فيصل لم يطل ، فقد تلقت من الجنرال غورو إنذاراً في 14/ تموز عام 1920 يطالب فيه بإدخال بعض التعديلات في السياسة  السورية الداخلية ومنها: قبول النقد الذي يصدره المصرف السوري وأعقب هذا الإنذار احتلال داخل سورية من قبل الجيش الفرنسي على أثر معركة ميسلون يوم 24/ تموز 1920 فكان أول ما صنعه جيش الاحتلال إصدار قرار في آب عام 1920 أعلن به التعامل بأوراق البنك السوري.

حيث قرر سحب العملة المصرية من التداول على غرار ما جرى في المنطقة الغربية.

 -اتفاقية كانون الثاني عام 1924:

عقد في كانون الثاني سنة 1924 اتفاق بين الحكومات السورية ولبنان من جهة، والسلطات الفرنسية من جهة أخرى.

إذ لم يكن من الطبيعي أن يبقى النظام النقدي في سورية ولبنان قائماً على أساس الاستقرار بين قرارين صادرين عن المفوض السامي الفرنسي ولم يكن من المقبول أن يعطى حق الإصدار لمصرف أجنبي بقرار من الاحتلال وممثله الأجنبي دون أخذ موافقة الحكومات المحلية

ولذلك بدأت المفاوضات تحت إشراف المفوض السامي بين الحكومات السورية وبنك سورية.

وأدت هذه المفاوضات في 23 كانون الثاني سنة 1924 إلى توقيع اتفاقية نقدية اعترفت الحكومات المحلية بموجبها بالنقد السوري اللبناني، وأقرت منح امتياز الإصدار لبنك سورية الذي أصبح اسمه (( بنك سورية ولبنان)) وذلك لمدة 15 سنة تبتدئ من اول نيسان سنة 1924 فأقرت بذلك الوضع النقدي الراهن الذي أنشأه قرار المفوض السامي عام 1920 ولا حاجة لأن نؤكد هنا أن الاتفاقية عقدت تحت ضغط السلطات النقدية ورغم المعارضة الشديدة التي أبداها الشعب وممثلوه في مجلس الاتحاد ولا عجب في ذلك فالحكومات التي وقعت الاتفاق حكومات قائمة بمشيئة الانتداب.

 اتفاقية شباط سنة 1938:

بدأت المفاوضات مع حكومتي سورية ولبنان من أجل تجديد اتفاقية 1924 قبل انتهاء أجلها في 31 آذار 1939 بعامين.

وتمخض عن هذه المفاوضات عقد اتفاق مع الحكومة اللبنانية في 29 أيار سنة 1937 جدد بموجبها امتياز الإصدار في لبنان لبنك سورية ولبنان لمدة 35 سنة اعتباراً من أول نيسان 1939.

أما الاتفاق مع الجانب السوري فقد سار بطيئاً، واصطدم بعدة صعوبات إلا أنهم أخيراً وصلوا إلى مشروع اتفاق في 25 شباط عام 1938

غير أنه لم يعرض على المجلس النيابي السوري بسبب تعطيل الحياة الدستورية من قبل سلطات الانتداب في 8 تموز عام 1938، وحل محل الحكم النيابي حكومة مديرين تملك السلطة التنفيذية ، وتمارس السلطات التشريعية عن طريق إصدار مراسيم اشتراعية يصدقها المفوض السامي، وفي 29 آذار عام 1939 أي قبل انتهاء أجل اتفاقية عام 1924 بيومين أصدر المفوض السامي الفرنسي قراراً بتعديل مفعول هذه الاتفاقية حتى 3 آذار من سنة 1964، ثم أصدرت حكومة المديرين في 9 أيلول عام 1939 مرسوماً أقرت اتفاقية 25 شباط ونظام المصرف الأساسي الملحق بها، وأرجأت موعد سريان الاتفاقية  من 1 نيسان عام 1939 إلى 1 كانون الثاني عام 1940.

 - أسرار النظام النقدي السوري بين اتفاقيتي 1924 و1938:

حدد سعر الليرة السورية اللبنانية في الاتفاقيتين الآنف ذكرهما بين الحكومتين السورية واللبنانية وبين بنك سورية ولبنان وبالنسبة للفرنك الفرنسي على أساس أن كل ليرة تساوي (20 فرنك)، وكان البنك يتدخل في السوق النقدية بائعاً ومشترياً ليرات سورية مقابل الفرنك بهذا السعر..

-  عناصر التغطية في اتفاقية 1924:

نصت المادة الثامنة من اتفاقية 1924 على أن تكون التغطية مقابل الليرات الصادرة على الشكل التالي:

1-               ذهب أو التزامات حكومات أجنبية قابلة للتحويل بالذهب.

2-أوراق تجارية أجنبية أو محلية ، لا يزيد استحقاقها عن 90 يوماً، وأن تحمل الأوراق التجارية الأجنبية توقيعين مقبولين، أما الأوراق المحلية فيجب أن تحمل ثلاثة تواقيع مقبولة على الأقل.

3-تغطية إلزامية بشكل ودائع بالفرنكات الفرنسية موضوعة تحت الطلب في حساب لدى الخزينة الفرنسية، ولكن لاتزيد عن ثلث النقد الصادر، وتدفع الخزينة الفرنسية عليها فائدة لا تقل عن 1.5 %.

4-تغطية اختيارية بالفرنكات توضع تحت الطلب في حساب بنك سورية ولبنان لدى الخزينة المذكورة، يدفع عليها فائدة لا تقل عن تلك التي تدفع على الودائع الفرنسية الخاصة ويجب أل تتجاوز هذه التغطية بالإضافة إلى التغطية بشكل أوراق تجارية 22% من النقد الصادر.

5- سندات على الحكومة الفرنسية أو سندات بكفالتها، ويجب ألا يزيد استحقاقها عن سنتين، كما يجب أن تودع لدى مصرف فرنسا.

-  عناصر التغطية في اتفاقية 1938:

حددت اتفاقية عام 1938 عناصر التغطية بشكل أوضح من الاتفاقية السابقة، فقسمت هذه العناصر إلى قسمين: عناصر إجبارية _ عناصر اختيارية.

تتألف العناصر الإجبارية للتغطية من:

1.     الذهب بنسبة ابتدائية مقدارها 10% ترتفع تدريجياً إلى 30%.

2.  وديعة إجبارية بالفرنكات الفرنسية ، توضع هذه الوديعة في الصندوق المركزي للخزينة الفرنسية في باريس، ويستوفى عنها فائدة لا تقل عن 1.75 % سنوياً، وقد اشترطت الاتفاقية أن تكون نسبة هذه الوديعة 25 إلى 26 % من مجموع الأوراق المتداولة

3.    سلفة دون فائدة للحكومات السورية بقيمة 250000 ليرة سورية.

أما عناصر التغطية الاختيارية فتتألف من:

1- سندات على الحكومة الفرنسية وبكفالتها: تودع هذه السندات في بنك فرنسا، ويشترط أن تكون مدتها خمس سنوات على الأكثر وأن يكون 25% منها لمدة سنتين،ثم سمح للبنك موجب قرار صدر عام 1941 إيداعها في دمشق أو بيروت.

2- أسناد أو كمبيالات تجارية، تحمل ثلاثة تواقيع لا يتجاوز أجلها 90يوماً على ألا تتعدى قيمتها الإجمالية 12% من النقد المتداول ، ثم رفعت هذه النسبة إلى 25% بموجب قرار المفوض السامي تاريخ 4 أيلول 1939.

3- سلفة يمنحها بنك سورية للحكومة السورية لتنفيذ المشاريع العمرانية التي تنوي الدولة القيام بها لا تتجاوز 1250000 ليرة سورية، ويدفع عليها فائدة قيمتها 4%.

4- ودائع لحين الطلب بالفرنكات الفرنسية، وتودع في الصندوق المركزي للخزينة الفرنسية، ويستوفى عنها فائدة قيمتها لاتقل عن تلك الفائدة التي يدفعها بنك فرنسا لأصحاب الودائع لحين الطلب.

خصائص التغطية في اتفاقيتي 1924 و1938:

يلاحظ مما سبق أن اتفاقية 1924 هي التي كانت سائدة خلال معظم فترة ما بين الحربين، وأن هذه الاتفاقية جعلت الجزء الكبير من التغطية بشكل موجودات الفرنك الفرنسي……

ولا ريب بأن هذه الاتفاقية نصت على وجود ذهب أو أوراق أجنبية قابلة للتحويل إلى ذهب إلى التغطية، إلا أنها لم تحدد نسبة دنيا لهذه الموجودات.

لذلك كان بإمكان بنك سورية ولبنان ألا  يضيع ذهباً أو أوراقاً أجنبية قابلة للصرف على التغطية، وعلى كل لم تتجاوز نسبة وسطي الذهب خلال مدة هذه الاتفاقية 4% من التغطية..

وقد كانت اتفاقية عام 1924 والاتفاقية التي أعقبتها جزءاً من قاعدة الصرف بالفرنك الفرنسي التي فرضت على سورية، والتي كان غرضها الأساسي هو الاقتصاد في استعمال الذهب بالتغطية

وتختلف اتفاقية عام 1938 و اتفاقية 1924 عن بعضهما إضافة لما سبق بالأمور التالية:

فهي لم تضع حداً أعلى للتداول النقدي على حين حددت اتفاقية 1924 الحد الأقصى للتداول بـ 25 مليون ليرة سورية- لبنانية قد فصلت ولو اسمياً بين الليرة السورية والليرة اللبنانية

وأخضعت بنك سورية ولبنان للضريبة، بينما كان معفياً منها بموجب الاتفاقية السابقة.

ونصت الاتفاقية الجديدة على أن يعود الربح الناتج من الارتفاع في قيمة التغطية الذهبية إلى حكومتي سورية ولبنان، ونصت كذلك على اقتسام الأرباح العادية للتغطية بين البنك والحكومات المذكورة.