تعريف ظاهرة " غسيل الأموال "

يقوم أصحاب رؤوس الأموال المحصلة من نشاطات إجرامية غير قانونية بنقل هذه الأموال المحصلة في بلد المنشأ الذي مارسوا فيه أنشطتهم المشبوهة, يقومون بنقلها عبر المبادلات الاقتصادية العالمية الحرة إلى بلد آخر, ثم يعيدونها الى بلدانهم مرة أخرى على أساس انها أموال استثمارات قد تم اكتسابها في بلد آخر. ‏
لقد شاعت هذه الظاهرة في العديد من بلدان العالم وصار لها متخصصون, خاصة في البلدان المتقدمة اقتصاديا التي تمتلك شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية العالمية يتمكنون من خلالها من إضفاء صفة الشرعية والنظافة على رؤوس أموال كثيرة قد جمعت بنشاطات غير قانونية كجرائم الإفلاس والرشوة والسرقة, وأخرى غير مشروعة كتجارة المخدرات والأسلحة, وأحيانا محرمة دوليا كتجارة الرقيق والأعضاء البشرية, وثمة جرائم أخرى كثيرة تدخل في هذا الإطار, وتحتاج عائداتها الى تبييض في الخارج لتعود الى بلد المنشأ ويتم توظيفها في استثمارات مختلفة على أنها أموال نظيفة مصدرها نشاط اقتصادي خارجي لا غبار عليه. ‏
ولدى أولئك النشطاء المشبوهين وسائلهم الكثيرة من أجل غسيل الأموال غير النظيفة أقلها بساطة وأكثرها شيوعا هو اسلوب (الحساب المصرفي المزدوج) وهو أن يودع الشخص أموالا غير نظيفة قد جمعت بأسلوب غير شرعي أو شريف, في حسابه لدى أحد المصارف ثم يقوم شخص آخر من شركائه باقتراض مايعادل المبلغ المودع من المصرف نفسه, بعدها يقوم المقترض برد مبلغ الفائدة المستحقة للمصرف, من مبلغ الفائدة المستحقة للمودع على المصرف وعندئد يتم غسيل الأموال وتحويلها في نظر الآخرين الى أموال نظيفة لا شبهة فيها. ‏
ونظرا للآثار الاقتصادية السلبية لغسيل الأموال على الاقتصاد الوطني والتي غالبا ما تتركز في تهديم وإفلاس الكثير من مؤسسات القطاع الخاص, وفي حصول هزات وانهيارات مالية في الأسواق المالية والمصارف من جراء حركتي الايداع والسحب المفاجئ للأموال, وفقدان الدولة للسيطرة على السياسة المالية, وتشويه الاقتصاد الوطني, وضعف العائدات الضريبية والأهم من كل هذا وذاك التشويه الذي يلحق بسمعة البلد ومؤسساته الاقتصادية. ‏
لتلك الأسباب مجتمعة وغيرها من الآثار الاقتصادية الضارة بالمجتمع والدولة فقد تسابقت الدول لاتخاذ الاجراءات الكفيلة واللازمة للحد من هذه الظاهرة ومنع انتشارها. ومحاربة مرتكبيها وملاحقة الأشخاص الذين يسعون لها. ‏
وقد رأى بعض المتربصين وصائدي الفرص في الانفتاح الاقتصادي والتوجه نحو الاقتصاد الحر الذي تحولت اليه سورية فرصة سانحة لاستغلال هذه التوجهات الاقتصادية الجديدة للمبادرة الى جعل الساحة السورية فضاء لغسيل وتبييض أموالهم, والإساءة الى سمعة القطر العربي السوري واقتصاده المتطور. ‏
إلا أن الحكومة السورية قد تنبهت الى الآثار الضارة لهذه الظاهرة وسعت لوضع حد لها قبل أن تستفحل ويزداد حجمها, وتصعب معالجتها. ‏
لقد أصدرت الحكومة في الجمهورية العربية السورية المرسوم التشريعي رقم 59 لعام 2003 بقصد مكافحة غسيل الأموال في القطر, وقد تضمن هذا المرسوم التعريف بغسيل الأموال غير المشروعة, وطبيعتها, وماذا يترتب على الهيئات المالية والاقتصادية وتحديد العقوبات بحق أولئك الذين يرتكبون جرائم غسيل الأموال. ‏
وقد تم مؤخرا تشكيل (هيئة مكافحة غسيل الأموال) في مصرف سورية المركزي يرأسها النائب الأول لحاكم المصرف المركزي, الى جانب أربعة أعضاء آخرين أحدهم مدير عام لأحد مصارف القطاع العام, وآخر مدير عام لأحد مصارف القطاع الخاص في سورية, ومهمة هذه الهيئة كما حددها الدكتور محمد بشار كبارة حاكم مصرف سورية المركزي التحقيق في العمليات التي يشتبه بأنها تنطوي على عمليات غسيل أموال غير مشروعة والتعرف على مدى صحة الأدلة والقرائن بشأن هذه العمليات, وذلك قبل إحالتها الى الجهات القضائية لتفصل فيها. ‏
وقد أصدر السيد رئيس مجلس الوزراء التعليمات التنفيذية لهذا القانون بتاريخ 19/2/2004 كما أن مصرف سورية كان قد قام بتعديل النظام الداخلي لمفوضية الحكومة لدى المصارف, حيث تمت إعادة هيكلتها, وإحداث أربعة أقسام جديدة لتغطية جميع مجالات الرقابة المصرفية, منها إحداث جهاز فني مساعد للهيئة المذكورة يتولى الاستعلام والتحقيق في العمليات المالية المشتبه بها. ‏
إن ما قامت به سورية بقصد مكافحة غسيل الأموال, وما اتخذته من اجراءات للحد من تفشي هذا النوع من الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة, إنما جاء منسجما تماما مع كل المعايير والأنظمة النموذجية الدولية المتعارف عليها, والمتعلقة بمكافحة هذا النوع من الجريمة كما أنها كانت خطوات متوافقة مع القوانين والاجراءات المطبقة في الدول المجاورة. ‏
كما أن أنظمة الرقابة على القطع المعمول بها في القطر حاليا يمكنها أن تقي النظام المصرفي السوري وتحميه من عمليات غسيل الأموال التي تفاقمت مشكلاتها وازدادت مخلفاتها الضارة في العديد من بلدان العالم, وبالشكل الذي يؤمن الحماية ويوفر الحصانة لنظامنا المالي والمصرفي ومؤسساته, كي لا تتحول مع الأيام الى خادم للنشاطات الاقتصادية المشبوهة وتابع لها أو مروج لنظافتها, وبالشكل الذي يمكننا من القول: إن سورية لن تتحول في يوم من الأيام الى مغسلة للأموال المشبوهة. ‏