كلمة ترحيبية لمنتدى سياسات التمويل الأصغر للعالم العربي 2010 الذي تنظمه سيجاب CGAP

دمشق 31/5/2010

 

أصحاب المعالي والسعادة،

أيتها السيدات أيها السادة:

مرحباً بكم في ربوع دمشق الفيحاء التي كانت ولا تزال عاصمة المحبة والإخاء، ويسعدني أن نكون معاً اليوم لنتشارك هذا الحدث الهام الذي حظيت دمشق بفرصة احتضانه واستضافة هذه الكوكبة المميزة من الخبرات العالمية في مجال تنظيم قطاع التمويل الأصغر.

يحظى قطاع التمويل الأصغر باهتمام خاص ومتزايد على المستوى العالمي من قبل الأفراد والمؤسسات المتخصصة والحكومات، حيث ساهمت التجارب الناجحة والملفتة لبعض الدول في تسليط الضوء على أهمية التمويل الأصغر ودوره في التخفيف من حدة الفقر ورفع المستوى المعيشي للشرائح السكانية الفقيرة في المجتمعات النامية، ولعل تجربة بنك الفقراء في بنغلادش خير مثال على ذلك.

إن فكرة التمويل الصغير والمتناهي الصغر ليست دخيلةً على مجتمعاتنا وإنما تنبع من ثقافتنا التي ترسَّخ فيها مفهوم التكافل الاجتماعي كأحد الأساليب والأدوات الهامة لتأمين مصدر تمويل للفقراء يساعدهم على تأمين حاجاتهم الأساسية وتحسين مستوى معيشتهم بالتكافل فيما بينهم من خلال تجمعات ادخارية بسيطة على مستوى القرية والبلدة.

وهنا لابد من التأكيد على أهمية إحداث مؤسسات تعنى بتقديم خدمات التمويل الصغير والمتناهي الصغر خصوصاً في المجتمعات حيث الشرائح المستهدفة بهذه الخدمات تمثل نسبة هامةً من السكان، حيث أن إحداث هذه المؤسسات يعتبر بمثابة فرص استثمارية هامة للاقتصاد الوطني من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإن ذلك يساهم ذلك في إدخال الشرائح الضعيفة اقتصادياً وغير المتمولة ضمن دائرة النشاط الاقتصادي مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية لهذه الشرائح لتصبح مساهمة في رفع معدلات النمو الاقتصادي المتوازن بدلاً من أن تكون عبئاً عليه.

وقد برز الاهتمام بإنشاء مؤسسات التمويل الصغير والمتناهي الصغر من خلال سعي كل من المنظمات الأهلية وغير الحكومية إلى إنشاء مؤسسات تعنى بتقديم هذه الخدمات، هذا إلى جانب دخول الحكومات بزخم كبير لدعم هذا القطاع من خلال إنشاء بنوك تنموية تدعم الشرائح الفقيرة من السكان عبر تقديم الائتمان والخدمات المرافقة له من تدريب وتمكين، والعمل الدؤوب والمستمر على تنظيم هذا القطاع بما يضمن تقديم خدمات التمويل الأصغر وفقاً لأفضل الممارسات الدولية إلى جانب ضمان حقوق المتعاملين مع هذه المؤسسات من مقترضين كانوا أو مودعين.

 

أيتها السيدات أيها السادة:

بين المبدأ والرغبات وبدعم من سيادة الرئيس بشار الأسد ورعاية كريمة من السيدة أسماء الأسد، فقد تم ترجمة الإرادة والرغبة والتوجيهات السياسية الحكيمة بإحداث وتنظيم قطاع التمويل الأصغر إلى واقع عملي، حيث تم في ضوء برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل المنبثق عن الخطة الخمسية العاشرة، التي أفردت اهتماماً خاصاً لنشاط التمويل الصغير، السماح للمنظمات غير الحكومية كفردوس وبداية، ووكالات التنمية المختلفة كالآغا خان، والمنظمات الدولية كالأنروا، وغيرها من المؤسسات العاملة في قطاع التمويل الأصغر، العمل في هذا القطاع وفقاً لاتفاقيات متفرقة وبرامج تعاون موقعة مع الحكومة السورية.

وفي عام 2007 تم تكليل هذه التجربة بإصدار المرسوم التشريعي رقم /15/ لعام 2007 الذي أجاز لمجلس النقد والتسليف ترخيص إحداث مؤسسات مالية مصرفية اجتماعية بحد أدنى لرأس المال يبلغ /250/ مليون ليرة سورية، تهدف إلى تقديم التمويل الصغير والمتناهي الصغر بالإضافة إلى خدمات مالية ومصرفية أخرى لشرائح معينة من السكان.

وقد كان لهذه الخطوة أهميةً خاصة نظراً لتعدد مقدمي خدمات التمويل الأصغر العاملين في السوق السورية، وضرورة خلق ميدان عمل متساوٍ يعمل فيه الجميع وفقاً لذات الشروط والمعايير مما يخلق جواً من المنافسة الفعالة والكفوءة في تقديم خدمات التمويل الأصغر من جهة، والاستهداف الأمثل للشرائح السكانية المطلوبة من جهةٍ أخرى. 

 

أيتها السيدات أيها السادة:

لقد أضفت التجربة السورية في مجال التمويل الصغير والمتناهي الصغر بصمتها ليس فقط على الاقتصاد السوري بل تعدت ذلك لتترك صدىً كبيراً في كافة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ تعد التجربة السورية اليوم تجربة رائدة في هذا المجال من حيث تطوير نشاط التمويل الصغير وآلية تنظيمه و الرقابة عليه وهذا ما حدا بدول الجوار إلى الاستفادة من ثمار هذه التجربة ومحاولة تطبيق ما تم التوصل إليه، فقد أتاح المرسوم التشريعي رقم (15) لعام 2007 إمكانية إحداث هذه مؤسسات التمويل الصغير من قبل هيئات ومؤسسات سورية أو عربية أو أجنبية شرط تمتعها بالخبرة والمعرفة بنشاط التمويل الأصغر، وهو ما يمكن اعتباره عاملاً أساسياً في جذب الخبرات الهامة في مجال تقديم خدمات التمويل الأصغر وفق المعايير والممارسات الدولية المثلى.

        كما سمح المرسوم لهذه المؤسسات بقبول الودائع وتقديم القروض الصغيرة والمتناهية الصغر إلى جانب خدمات التأمين الصغير المرتبطة بقروضها، حيث يمكن لها القيام بإعادة التأمين على القروض الصغيرة المقدمة من قبلها لدى إحدى شركات التأمين المرخصة. وبذلك فإن المرسوم أتاح لهذه المؤسسات إطاراً شاملاً ومرناً لتقديم كافة الخدمات المرتبطة بالتمويل الأصغر.

إلى جانب ذلك فقد تم حصر الترخيص لمؤسسات التمويل الصغير وتنظيم عملها والرقابة عليها بمصرف سورية المركزي الأمر الذي يضمن عدم تعدد السلطات الوصائية على نشاط التمويل الصغير وضمان وجود جهة رقابية فعالة قادرة على الإبقاء على نشاط التمويل الصغير ضمن المسار الصحيح والحيلولة دون تحوله إلى وسيلة لتمويل القروض الاستهلاكية في الاقتصاد.

وبهدف دعم موارد هذه المؤسسات التي تتكون بموجب المرسوم من ودائع الجمهور والمنح والإعانات الخارجية، فقد قام المصرف المركزي باستصدار قرار يتيح معاملة مؤسسات التمويل الصغير معاملة المصارف العاملة في الجمهورية العربية السورية فيما يخص الاقتراض بينها وبين المصارف. كما تم السماح لهذه المؤسسات بالاقتراض من الخارج لتمويل نشاطاتها.

 

أيتها السيدات أيها السادة:

لقد تم الترخيص بموجب المرسوم رقم (15) لعام 2007 لمؤسستي تمويل صغير، الأولى هي مؤسسة التمويل الصغير الأولى – سورية والتي يشارك في رأسمالها كل من (مؤسسة التمويل الدولية IFC، بنك الاستثمار الأوروبي EIB، البنك الألماني للتنمية KFW)، والثانية هي مؤسسة باب رزق جميل للتمويل الصغير المساهمة.

وقد أصدر مجلس النقد والتسليف باعتباره الجهة المسؤولة عن رقابة هذه المؤسسات مجموعةً من الضوابط الاحترازية الخاصة بالرقابة على عملها.

كما صدر المرسوم التشريعي رقم (9) لعام 2010 ليرخص لمصرف الإبداع للتمويل الصغير والمتناهي الصغر على شكل شركة مساهمة سورية يساهم في تأسيسها كل من الحكومة السورية ممثلةً بالهيئة العامة للتشغيل وتنمية المشروعات ورجال أعمال سوريين ومؤسسة الأجفند ، وتخضع لرقابة مجلس النقد والتسليف.

هذا ويُنتظر دخول مؤسسات جديدة إلى السوق السورية وفقاً للمرسوم التشريعي رقم (15).

وفي إطار تعزيز الرقابة على مؤسسات التمويل الأصغر تم إحداث إدارة مستقلة لدى مفوضية الحكومة لدى المصارف تهتم بقضايا هذه المؤسسات والرقابة عليها، كما يعمل مصرف سورية المركزي حالياً على بناء القدرات في مجال الرقابة عليها من خلال إخضاع الفريق الرقابي المختص بها لبرنامج من الدورات التدريبية والتأهيل اللازم للتعامل مع هذا النوع من المؤسسات. كما يستمر مجلس النقد والتسليف في إطار خطته الشاملة في العمل على دعم هذا القطاع وتعزيز قدرة المؤسسات العاملة فيه على الإنتشار وذلك من خلال تحسين الإطار التنظيمي والرقابي لعملها والحرص على تطبيق الرقابة الاحترازية وفقاً للممارسات المُثلى في مجال الرقابة بما يضمن حقوق المودعين من جهة، وتحقيق الاستهداف الأمثل للشرائح السكانية الفقيرة من جهةٍ ثانية.

 

في الختام لا يسعني إلا أن أجدد ترحيبي بكم في دمشق وأن أتمنى لكم طيب الإقامة في هذه الفيحاء الجميلة التي لا تخلو جعبتها من كل ما هو جميل وساحر، وأن أدعوكم لزيارة أحيائها القديمة وتنشق عبيرها الخاص المفعم بعبق الياسمين الدمشقي.

 

وشكراً لكم

 

>> المصدر : مصرف سورية المركزي