كلمة حاكم مصرف سورية المركزي في منتدى الاقتصاد العربي

بيروت 20-21/05/2010

إصلاح النظام المصرفي العالمي وانعكاساته على العالم العربي

 

أيتها الأخوة أيها الأخوات:

لقد باتت الأزمة المالية العالمية منذ منتصف عام 2007 وحتى اليوم موضع اهتمام كبير والشغل الشاغل للأفراد والمؤسسات والدول، حيث دارت نقاشات وجدالات طويلة حول أسباب هذه الأزمة وملابساتها والإجراءات الواجب اتخاذها للخروج منها والحد من آثارها والدروس المستقاة لتجنب الوقوع في مثيلاتها مستقبلاً، يعود ذلك إلى عمق هذه الأزمة وسرعة انتشارها وامتداد آثارها إلى كافة الدول وإلى كافة شرائح المجتمع،  حيث لم تشهد البشرية مثيلاً لها منذ الحرب العالمية الثانية إذ تراجعت معدلات النمو الاقتصادي لتصل إلى حدود الـ 1% خلال عام 2009، وجاءت المرحلة الأصعب لكي تكشف عيوب الأنظمة المالية والنقدية التي خالفت كل المواثيق الدولية والقوانين المحلية والضوابط التي وضعتها وبدأت باللجوء إلى المصارف المركزية لضخ السيولة النقدية في الأسواق دونما أية ضوابط،  على الرغم من تحذيرات البعض من ذوي الخبرة والاختصاص بخطورة المنتجات المالية التي تمادى الماليون والراغبون باقتناص مزيد من فرص الربح في ابتداعها وابتكارها حتى تحولت هذه المنتجات اليوم إلى أصول فاسدة عجزت صناديق التحوط أو الأجدر أن تدعى صناديق المخاطرة ومصارف الاستثمار وغيرها من كبريات المؤسسات عن التخلص منها وإخراجها خارج ميزانياتها.       

أيتها الأخوة أيها الأخوات:

لقد تركزت ردود الأفعال خلال فترة الأزمة وأعقابها في معالجة الآثار السلبية على الاقتصاد الحقيقي ومعدلات النمو والبطالة والركود وضعف التجارة الخارجية وتحويلات العاملين في الخارج وجميع الآثار الأخرى التي تصب في مصب الركود الاقتصادي، إلا أن ذلك لم يحقق الأهداف المنشودة حيث أن جميع الإجراءات التي اتخذت كانت بمثابة مسكنات دون إيجاد العلاج الحقيقي الجذري، خير دليل على ذلك ما يجري اليوم في اليونان، لذا  فقد ظهرت أهمية وضرورة مواجهة الأسباب التي أدت إلى حدوث الأزمة وابتدأ العالم بالتفكير بإيجاد طرق معالجة جديدة للأزمة بعيداً عن ضخ السيولة عن طريق المصارف المركزية فاليوم هناك جملة من الحلول المطروحة للنقاش كفرض ضريبة مالية على القطاع المالي من شأنها دعم موارد الموازنة وإعادة جزء مما تحمله دافعي الضرائب خلال الأزمة حيث دفع هؤلاء ثمن ما ارتكبته المصارف والمؤسسات المالية الكبيرة وقد تم نقاش هذا الحل ضمن اجتماعات صندوق النقد الدولي الأخيرة، كذلك تعمل معظم الدول حالياً وعلى رأسها الدول الأوروبية لتعديل قوانين الرقابة المصرفية وإعادة ضم الجهات الرقابية تحت مظلة المصارف المركزية حيث برهنت الأزمة على الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه المصارف المركزية من خلال رقابتها المستمرة على عمل القطاع المالي والمصرفي حيث أن ذلك يمكّن من الحصول على صورة متكاملة عن السوق المالي وتقدير حجم المخاطر التي يتعرض لها. إن هذا المقترح جاء على التوازي مع المطالبة بضرورة التزام المؤسسات المصرفية والمالية بقيود أشد صرامة وفرض ضوابط رقابية عليها دون التمييز بينها وفقاً لحجم أعمالها، بل إن هذه المطالبات ذهبت أبعد من ذلك حيث نادى البعض بضرورة وجود جهة دولية ذات سلطة فوق قومية قادرة على فرض الضوابط والقيود على القطاع المالي والمصرفي في كافة الدول ومراقبة الالتزام بها بما يضمن سلامة واستقرار النظام المالي العالمي. وقد يكون أهم الحلول المطروحة اليوم هو الحد من تفاقم عجوز الموازنة وتزايد معدلات الدين العام، حيث تم اقتراح وضع قيود على الحدود القصوى لعجز الموازنة ولحجم الدين العام والالتزام الحقيقي بهذه القيود مع ضمان استدامة الدين أي إيجاد موارد تتصف بالديمومة لتمويل العجز، يمكن أن نذكر في هذا السياق أيضاً بالآليات التي تم اقتراحها مؤخراً لاسيما في أوروبا بخصوص تشكيل صناديق للاستقرار مهمتها تأمين الموارد اللازمة لاستقرار النظام المالي والحد من انتشار وتوسع الأزمات.

أيتها السيدات أيها السادة:

لقد كان العبء الملقى على كاهل المصارف المركزية خلال الأزمة المالية الأخيرة أكبر من أي وقت مضى، وذلك نتيجة لحالة عدم الثقة التي أصابت أسواق الائتمان وأدت إلى شل عمليات الإقراض، وبالتالي أصبحت المصارف المركزية مطالبة باتخاذ خطوات غير تقليدية لتحريك الأسواق، لكنها في ذات الوقت كانت مغلولة الأيدي إذ لم تعد سياسة تخفيض سعر الفائدة وحدها كافية للخروج من الأزمة لاسيما في ظل تخفيض معدلات الفوائد إلى الحدود الدنيا التي لا يمكن معها للمصارف المركزية التأثير في توقعات السوق بتحريك معدلات الفوائد وبالتالي تحقيق أهدافها النهائية في ضبط الأسعار من خلال ضبط التوقعات، لذا فقد برزت الحاجة ملحةً لضرورة إتباع سياسة مالية وسياسات اقتصادية كلية فعالة بعيداً عن المطالبة المستمرة بتدخل المصارف المركزية في الأسواق المالية لضخ السيولة، والتوجه نحو تطبيق برامج تحفيز اقتصادي قائمة على ضبط الإنفاق الجاري وزيادة الإنفاق الاستثماري بهدف رفع الطاقة الإنتاجية في الاقتصاد وزيادة فرص العمل وتوظيف الموارد.

لقد ثبت من خلال الأزمة المالية العالمية أهمية الدور الفعّال للدولة في مجال الرقابة وإعادة التوازن للاقتصاد الكلي، فالتوسع غير المنضبط لنشاطات المؤسسات المالية سواء في العمليات داخل الميزانية أو خارجها كان السبب الرئيس في زعزعة النظام المالي العالمي، حيث لم تكن الرقابة المالية والمصرفية كافية وشاملة لجميع جوانب القطاع المالي، إضافة إلى وجود ضعف في الأطر الناظمة لإدارة المخاطر والسيولة.

أيتها السيدات أيها السادة:

لقد أثبتت الأزمة أن استقرار أي نظام مالي بما في ذلك الأنظمة المالية العربية يعود إلى تكامل مجموعة من العوامل التي يعتبر كل منها شرط لازم وغير كاف لنجاح هذا النظام بل لابد من تكاملها وترابطها ضمن منظومة واحدة، يمكن الحديث عن هذه العوامل على ثلاثة مستويات:

1.    1- الإطار الاقتصادي العام: بحيث يكون من واجب الدولة ومؤسساتها العمل على تأمين بيئة عمل مناسبة للمؤسسات المالية والمصرفية بما في ذلك استصدار كافة التشريعات والقوانين والقرارات وضمان شموليتها لكافة جوانب العمل.

2.    2- الإطار الرقابي المناسب: والذي يشتمل على وجود تشريعات رقابية مناسبة فالغاية هنا من التشريع هو النوع وليس الكم أي قابلية هذا التشريع للتطبيق من قبل المؤسسات المالية وقابلية متابعة كيفية التطبيق من قبل الجهات الرقابية، إلى جانب ذلك لابد من وجود كادر رقابي فعال ومؤهل تأهيلاً كافياً بحيث يكون قادر على التماشي مع سرعة تطور العمل لدى القطاع المالي.

3.    3- الإطار التطبيقي: حيث أن هناك مسؤولية تقع على عاتق المؤسسات المالية تتمثل في ضرورة الانضباط الذاتي وضرورة الالتزام بمبادئ الحوكمة، كما يجب أن يترافق ذلك مع الإفصاح المالي من خلال التطبيق السليم والشفاف لمعايير المحاسبة الدولية والمعايير الدولية للتقارير المالية، وهنا لابد من التأكيد أيضاً على ضرورة حيادية مؤسسات التدقيق والتقييم الائتماني ومصداقيتها في تدقيق القوائم المالية للمؤسسات والوقوف على مواضع الخطأ وعدم تجاوزها أو محاولة إخفائها من خلال طرق محاسبية ملتوية وأشبه بالبهلوانية.

أيتها الأخوة أيها الأخوات:

اسمحوا لي في هذه المناسبة أتكلم عن تجربة سورية في هذا الخصوص ولهذا الغرض أقتبس بعض ما جاء به صندوق النقد الدولي في بيانه الختامي الصادر بتاريخ 29/10/2008 في إطار مشاورات المادة الرابعة مع الجمهورية العربية السورية حيث نص هذا البيان على الآتي: "إن تفاقم الأوضاع المالية العالمية لم يؤثر على القطاع المالي في سورية، حيث أن اللوائح التنظيمية لمصرف سورية المركزي تحد لدرجة كبيرة من انكشاف المصارف لمخاطر القطع الأجنبي وكذلك فإن تكاملها محدود مع النظام العالمي". أي أن تأثر القطاع المصرفي والمالي في سورية كان محدوداً وقد يعزي البعض ذلك إلى عدم وجود بنوك استثمار في سورية وحداثة عهد سوق الأوراق المالية ومحدودية تعاملات المصارف السورية مع المصارف العالمية المتضررة، لكن ما أود الإشارة إليه أن ذلك لم يأت بمحض الصدفة بل إن ذلك يعزى إلى حد كبير إلى وجود منظومة رقابة مصرفية فعالة بدءاً من التشريعات الرقابية التي وضعت وفق أحدث المعايير الدولية وانتهاء بالكادر الرقابي المؤهل والكفء لدى مصرف سورية المركزي، إذ أن المصرف المركزي في سورية كان متشدداً فيما يتعلق باستثمارات المصارف المحلية في الخارج وإلزامها بعدم تجاوز نسبة تركزات مخاطر محددة إلى جانب إلزامها بالتعامل مع مصارف ذات تصنيف ائتماني لا يقل عن A+، مع وجود رقابة مستمرة سابقة ولاحقة لعمل هذه المصارف، كما قام المصرف المركزي خلال فترة الأزمة باتخاذ جملة من الإجراءات للحد من آثار الأزمة على القطاع المالي وعلى الاقتصاد الحقيقي، كتخفيض معدلات الفوائد والسماح للمصارف بالاقتراض من المصرف المركزي لردم فجوات السيولة الناجمة عن التوسع في الإقراض الاستثماري حصراً وتخفيض معدل الاحتياطي الإلزامي في حال توسع المصارف في منح القروض الموجهة للقطاع الصناعي والسياحي والتمويل الصغير والمتناهي الصغر والمشاريع الخضراء،  لكن جميع هذه القرارات كانت بمثابة قرارات احترازية حيث أن دراسة وضع المصارف أثبتت تمتع هذه المصارف بسيولة جيدة، وعليه فقد أنحسر أثر الأزمة في ارتفاع معدلات التضخم الناجمة عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة عالمياً وما لبثت هذه المعدلات أن عادت إلى وضعها الطبيعي بحلول عام 2009 مما يؤكد عدم وجود مشاكل هيكلية في بنية الاقتصاد، ولعل ذلك كان العامل الأساسي الذي شجع على إطلاق سوق دمشق للأوراق المالية في فترة كانت فيها الأسواق المالية في معظم الدول ترزح تحت وطأة الأزمة وتعاني من جمود هدد إلى حد ما بانهيارها.

يضاف إلى ما تقدم الخطوات الكبيرة التي قام بها مصرف سورية المركزي على صعيد استقرار سعر صرف الليرة السورية فمع التقلبات العنيفة الحاصلة في أسواق العملات العالمية حافظت الليرة السورية على استقرار نسبي ويبدو ذلك جلياً خلال أزمة اليونان لاسيما في الأيام الخمسة عشرة الماضية حيث انخفض اليورو مقابل الدولار الأمريكي بمقدار 7% في حين انخفضت الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي بمقدار 1.5% فقط وارتفعت مقابل اليورو بمقدار 5%، ويأتي ذلك نتيجة جملة الإجراءات التي اتخذها مصرف سورية المركزي وأهمها فك ربط الليرة السورية بالدولار الأمريكي وربطها بوحدة حقوق السحب الخاصة وهو ما ابتدأت بعض الدول العربية الأخرى القيام به.

أيتها السيدات أيها السادة:

إن ما يجري اليوم في الساحة الاقتصادية العالمية والدروس المستفادة من هذه الأزمة إنما يقدم برهاناً إضافياً على ضرورة حصول المصارف المركزية على استقلاليتها وعدم انصياعها لرغبات الحكومات في الاستمرار بالتمويل بدلاً من وضع خطط إصلاح متكاملة والشروع بتنفيذها لحل الأزمات وليس لتأجيلها.

وقد يكون من المفيد للدول النامية في هذه المرحلة ومن بينها دولنا العربية على اعتبارها الأقل تأثراً بتداعيات الأزمة، تطبيق الدروس المستفادة من هذه الأزمة من حيث تقوية دور المصرف المركزي وتعزيز رقابته المصرفية والابتعاد عن الحلول المؤقتة في العلاج وإعارة الانتباه إل ضرورة ضبط الإنفاق العام الجاري وإحكام إدارة الموازنة العامة للدولة وعلاج كافة الاختلالات الهيكلية في بنية الاقتصاد.

 

>> المصدر : مصرف سورية المركزي