كلمة السيد حاكم مصرف سورية المركزي في مؤتمر سنابل 2/6/2010

أيتها السيدات أيها السادة

أيها الحشد الكريم

نلتقي اليوم في ربوع دمشق الفيحاء وبرعاية كريمة من السيدة أسماء الأسد عقيلة السيد رئيس الجمهورية، وبحضور هذه الكوكبة المميزة من الخبرات العالمية المشهود لها في مجال التمويل الأصغر، لنشهد انعقاد مؤتمر سنابل السابع، ونقف سوية على ما توصلت إليه تجربة التمويل الصغير في الدول التي تبنت هذه التجربة ومن بينها سورية، فما تم زراعته منذ عدة أعوام قد أنبت إنجازات وتجارب عديدة تستحق الوقوف عندها والتأمل بها واستخلاص الدروس والعبر منها. وهنا أود التأكيد أن كل ما تحقق في هذا المجال ليس بمحض الصدفة بل هو نابع من إيمان عميق ومن تقاليد راسخة في مجتمعاتنا بضرورة التكافل الاجتماعي وبأهمية إيجاد الوسائل لتوزيع الدخل بين الأغنياء والضعفاء اقتصادياً لتحقيق منافع مضاعفة تعم سائر طبقات وشرائح المجتمع وهذا ما أتى به القرآن الكريم منذ آلاف السنين إذ يقول عَزَّ من قائل: "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم”.

بالعودة إلى التجربة السورية اسمحوا لي أن أقول أن هذه التجربة قد أضفت بصمتها ليس فقط على الاقتصاد السوري بل تعدت ذلك لتترك صدىً كبيراً في كافة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ تعد التجربة السورية اليوم تجربة رائدة في هذا المجال من حيث تطوير نشاط التمويل الصغير وآلية تنظيمه و الرقابة عليه وهذا ما حدا بدول الجوار إلى الاستفادة من ثمار هذه التجربة ومحاولة تطبيق ما تم التوصل إليه، ويمكن تقسيم هذه التجربة من الناحية المؤسساتية والتنظيمية إلى مرحلتين رئيسيتين:

المرحلة الأولى: وهي المرحلة الممتدة منذ بداية الألفية الجديدة وحتى العام 2007, حيث تميزت هذه المرحلة بقيام المنظمات غير الحكومية NGOs كفردوس وبداية، ووكالات التنمية المختلفة كالآغا خان، والمنظمات الدولية كالأنروا, وبعض المؤسسات الخاصة, بالإضافة إلى برامج الصناديق المنتشرة في أكثر من منطقة في سورية خاصة في المنطقة الشمالية الشرقية, بالعمل في السوق السورية بموجب اتفاقيات مع الحكومة السورية أو على شكل جمعيات أهلية.

         إن ما يميز تجربة التمويل الأصغر في هذه المرحلة هو وجود برنامج خاص بكل مؤسسة على حدة, دون وجود إستراتيجية متكاملة واضحة المعالم تجمع هذه المؤسسات, ومع ذلك يمكن القول أن جميع هذه المؤسسات والصناديق قد اتجهت إلى المجتمعات الأكثر فقراً, والتي تعاني من مشكلة عدم القدرة على النفاذ إلى التمويل الذي تقدمه المصارف, يضاف إلى ذلك البعد الاجتماعي الكبير الذي ميَّز عمل هذه المؤسسات والمتمثل بتحسين المستوى المعيشي للأفراد خاصة في المناطق الريفية.

       وعلى الرغم من النتائج الطيبة التي حققتها كل الأطراف التي تعمل في مجال التمويل الأصغر في تلك المرحلة خاصة في مجال توليد الدخل في مناطق الدخل المحدود والترويج للمشاريع الاقتصادية المتناهية الصغر, إلاّ أن هناك بعض جوانب الضعف التي كان لا بد من الانتباه إليها وتلافيها, وهي:

  • وجود طلب محتمل لم تتمكن خدمات التمويل الصغير المتوافرة حينها من الوصول إليه.

  • محدودية خدمات التمويل الأصغر التي يقدمها المزودون في السوق حيث يقتصر بعضها على تقديم الائتمان الفردي والجماعي (أعمال، استهلاك، إسكان، التنمية الريفية) فقط دون توفير برامج التدريب والتمكين المناسبة والتي يجب أن تتزامن بشكل وثيق مع خدمات الائتمان.

أما المرحلة الثانية: فتمتد من العام 2007 حتى الآن, حيث قامت الحكومة السورية ونظراً لأهمية التمويل الصغير في التخفيف من حدة الفقر في سورية, بالعمل على تنظيم هذا القطاع ووضع معايير وأسس واضحة للعمل بما يؤسس لسوق تتسم بالتنافسية, ويمكن أن نوجز تلك الخطوات فيما يلي:

  •         إصدار المرسوم التشريعي رقم (15) لعام 2007 الذي أتاح إمكانية إحداث مؤسسات التمويل الصغير من قبل هيئات ومؤسسات سورية أو عربية أو أجنبية شرط تمتعها بالخبرة والمعرفة بنشاط التمويل الأصغر، وهو ما يمكن اعتباره عاملاً أساسياً في جذب الخبرات الهامة في مجال تقديم خدمات التمويل الأصغر وفق المعايير والممارسات الدولية المثلى.

  •         السماح لهذه المؤسسات بقبول الودائع وتقديم القروض الصغيرة والمتناهية الصغر إلى جانب خدمات التأمين الصغير المرتبطة بقروضها، حيث يمكن لها القيام بإعادة التأمين على القروض الصغيرة المقدمة من قبلها لدى إحدى شركات التأمين المرخصة. وبذلك فإن المرسوم أتاح لهذه المؤسسات إطاراً شاملاً ومرناً لتقديم كافة الخدمات المرتبطة بالتمويل الأصغر.

  •         حصر الترخيص لمؤسسات التمويل الصغير وتنظيم عملها والرقابة عليها بمصرف سورية المركزي الأمر الذي يضمن عدم تعدد السلطات الوصائية على نشاط التمويل الصغير وضمان وجود جهة رقابية فعالة قادرة على الإبقاء على نشاط التمويل الصغير ضمن المسار الصحيح والحيلولة دون تحوله إلى وسيلة لتمويل القروض الاستهلاكية في الاقتصاد.

  •         وبهدف دعم موارد هذه المؤسسات التي تتكون بموجب المرسوم من ودائع الجمهور والمنح والإعانات الخارجية، فقد قام المصرف المركزي باستصدار قرار يتيح معاملة مؤسسات التمويل الصغير معاملة المصارف العاملة في الجمهورية العربية السورية فيما يخص الاقتراض بينها وبين المصارف. كما تم السماح لهذه المؤسسات بالاقتراض من الخارج لتمويل نشاطاتها.

  •         وفي إطار تعزيز الرقابة على مؤسسات التمويل الأصغر تم إصدار مجموعةً من الضوابط الاحترازية الخاصة بالرقابة على عملها، إلى جانب إحداث إدارة مستقلة لدى مفوضية الحكومة لدى المصارف تهتم بقضايا هذه المؤسسات والرقابة عليها، هذا يعمل مصرف سورية المركزي حالياً على بناء القدرات في مجال الرقابة عليها من خلال إخضاع الفريق الرقابي المختص بها لبرنامج من الدورات التدريبية والتأهيل اللازم للتعامل مع هذا النوع من المؤسسات.

لقد تم الترخيص بموجب المرسوم رقم (15) لعام 2007 لمؤسستي تمويل صغير، الأولى هي مؤسسة التمويل الصغير الأولى – سورية والتي يشارك في رأسمالها كل من (مؤسسة التمويل الدولية IFC، بنك الاستثمار الأوروبي EIB، البنك الألماني للتنمية KFW)، والثانية هي مؤسسة باب رزق جميل للتمويل الصغير المساهمة.

كما صدر المرسوم التشريعي رقم (9) لعام 2010 ليرخص لمصرف الإبداع للتمويل الصغير والمتناهي الصغر على شكل شركة مساهمة سورية يساهم في تأسيسها كل من الحكومة السورية ممثلةً بالهيئة العامة للتشغيل وتنمية المشروعات ورجال أعمال سوريين ومؤسسة الأجفند ، وتخضع لرقابة مجلس النقد والتسليف.

هذا ويُنتظر دخول مؤسسات جديدة إلى السوق السورية وفقاً للمرسوم التشريعي رقم (15).

 

في الختام لابد من التأكيد على أن مصرف سورية المركزي قد سعى جاهداً خلال الفترة الماضية لتوفير البيئة التشريعية والقانونية اللازمة لإدماج مؤسسات التمويل الأصغر كجزء لا يتجزأ من القطاع المالي في سورية، ومازال سعيه مستمراً لتعزيز قدرة هذه المؤسسات على الانتشار وذلك من خلال تبسيط الضوابط الاحترازية المفروضة على عملها بما يضمن سلامة أدائها و إعطائها مرونة أكبر في تعاملاتها عما هو قائم في المصارف التقليدية، إلى جانب السماح لها بقبول الضمانات غير التقليدية لتسهيل عملها وضمان نفاذها إلى شريحة أكبر من غير المتمولين والضعفاء اقتصادياً، وتشجيعها على التوسع في الإقراض من خلال بعض المحفزات النقدية كتخفيض معدل الاحتياطي الإلزامي المفروض عليها.

 

>> المصدر : مصرف سورية المركزي