كلمة السيد حاكم مصرف سورية المركزي في المؤتمر المصرفي العربي السنوي (الاستثمار في الاستقرار) بيروت 13/11/2008

 

الانعكاسات المتبادلة بين الاستثمار والاستقرار في ضوء الأزمة المالية وإعادة تشكيل النظام العالمي

 

السيدات والسادة

غدا الاستقرار المالي واحداً من الأهداف الأساسية المطلوب تحقيقها في أي مجتمع وعلى المستوى الدولي وأصبح أكثر فأكثر ضرورة عامة وملحة يفرضها توسع الأنظمة الاقتصادية وتشابكها، وكما هو معلوم تهدف المصارف المركزية لتحقيق أمرين متلازمين، استقرار الأسعار من جهة والاستقرار المالي من جهة أخرى. يتساءل البعض لماذا هذا التأكيد على الاستقرار في جميع المجالات؟ وفي الجواب يمكن القول أن الاستقرار هو العامل الحاسم للنشاط الاقتصادي بشكل عام كونه المحدد الأول للثقة، وفي حال تم تقويض الاستقرار سيكون لذلك آثار سلبية على الاستثمار والنمو ومجمل الحركة الاقتصادية.

واليوم، ما زلنا نشهد تداعيات أكبر أزمة مالية في العصر الحديث والتي ألقت بعبئها الثقيل على الاقتصادات الكبرى وعلى الاقتصاد العالمي ككل. فقد تسببت هذه الأزمة بالإضافة إلى انهيار الأسواق المالية في تدهور أوضاع أكبر المصارف والمؤسسات المالية، أما من جانب الاقتصاد الحقيقي، فتطالعنا التقارير الصادرة عن المؤسسات المالية العالمية بتخفيضات متكررة لتوقعاتها لمعدلات النمو الاقتصادي العالمي مرة بعد مرة، ولم يقتصر هذا الأثر على مركز الأزمة بل طال مختلف بقاع العالم.

لقد أفرزت هذه الأزمة العالمية شروطا جديدة لبيئة الأعمال الدولية، ومما لا شك فيه بأن منطقتنا العربية ليست ببعيدة عن هذه التطورات، وبالتالي لابد من أن نأخذ هذا الوضع الجديد على محمل الجد وأن نعمل جاهدين لتلافي أية آثار سلبية لتباطؤ الاقتصاد العالمي على اقتصاداتنا، والسعي ما أمكن لتحويل الظروف غير المواتية إلى فرص استثمارية وتنموية.

أيتها السيدات أيها السادة

يمر الاقتصاد السوري اليوم بمرحلة انتقالية نحو اقتصاد السوق الاجتماعي فهو يعتمد على آليات السوق، مع الحفاظ على التدخل الحكومي لضمان التوازن الاجتماعي. حيث أكدت الخطة الخمسية العاشرة على تنمية مناخ الأعمال وتفعيل دور القطاع الخاص سواء المحلي أو الأجنبي لدفع عجلة التنمية وإحداث التغيرات الهيكلية في الاقتصاد لنقله إلى مرحلة الدفع الذاتي. كان تفعيل منظومة عمل مصرفي متكاملة في سورية من أهم الخطوات التي اتخذت لتشجيع الاستثمار وتنمية القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، بحيث تكون هذه المصارف المحرك الأساسي لعملية التنمية. بدأت بتفعيل دور مصرف سورية المركزي ودخول القطاع الخاص للمنظومة المصرفية، تمهيداً للوصول إلى قطاع مالي شامل يضم مؤسسات مالية مصرفية ومؤسسات تأمين ووساطة مالية، وسوق مالية قادرة على تأمين التمويل اللازم للمستثمرين.

ويمكننا القول أن استمرار استقرار ونجاح النظام المالي يعود إلى تكامل مجموعة من العوامل المترابطة التي لا يكفي توفر أحدها دون غيره، ضمن ثلاثة مستويات:

1.    الإطار الاقتصادي العام، بما فيه توفر التشريعات اللازمة التي توفر البيئة القانونية والاقتصادية اللازمة لعمل المؤسسات.

2.    الإطار الرقابي المناسب، ضمن مستويين:

‌أ.       من خلال إصدار التعليمات المناسبة التي تحافظ على انضباط المؤسسات المالية والسوق المالي مع الإبقاء على إمكانية العمل بكفاءة وربحية عالية. فليست العبرة بحجم وكمية التشريعات الصادرة، ولا بمدى تغطية هذه التعليمات لمجالات عمل المؤسسات، إنما من خلال التعليمات المناسبة التي تنسجم مع المؤسسات ومع بيئة العمل الخاصة بها، فليس المطلوب تشريعات أكثر إنما تشريعات أفضل.

‌ب.  قيام جهاز رقابي فعّال ومؤهل تأهيلا كافياً

3.    على مستوى المؤسسات المالية حيث يتكامل دور الانضباط الذاتي النابع عن أطر سليمة للحوكمة، مع دور الإفصاح المالي من خلال التطبيق السليم لمعايير المحاسبة الدولية والمعايير الدولية للتقارير المالية، وحيادية مؤسسات التدقيق والتقييم الائتماني.

وإيماناً منا في مصرف سورية المركزي بأهمية الاستقرار قمنا باستثمار الاستقرار السياسي الذي تنعم به سورية لنبني عليه الأسس الكفيلة لترسيخ دعائم الاستقرار في القطاع المصرفي والعمل على تأمين بيئة مستقرة لجهة دور مصرف سورية المركزي كمراقب على نشاط المصارف في سورية، ولجهة دوره كراسم ومنفذ للسياسة النقدية أيضاً.

الجانب الأول، الاستقرار في القطاع المالي في سورية

لقد سعى مصرف سورية المركزي إلى بناء النظام المصرفي في سورية على أسس متينة منذ بدايته، وفي هذا السياق قمنا باستصدار التشريعات واتخاذ القرارات التي تتناسب مع الوضع الاقتصادي والمصرفي في سورية ومع ما أقرته لجنة بازل للرقابة المصرفية، وتظهر اليوم إحدى ثمار هذه الجهود في الأثر شبه المعدوم للأزمة على المصارف المرخصة في سورية.

وبالنتيجة أصبح لدينا منظومة عمل مصرفي متينة، واسعة، ومتنوعة، تتضمن ستة مصارف عامة شاملة تعمل جنبا إلى جنب وبالتنافس مع تسعة مصارف خاصة إلى جانب ثلاثة مصارف إسلامية بالإضافة إلى 19 شركة ومكتب صرافة كما تم الترخيص لمؤسسة تمويل صغير واحدة، وما زلنا ندرس عدد كبير من الطلبات لترخيص مصارف تقليدية وإسلامية ومؤسسات تمويل صغير ومؤسسات صرافة.

كما أصدر مجلس النقد والتسليف ما يزيد عن 430 قراراً حتى الآن تغطي مواضيع الرقابة المصرفية المتنوعة. وهي تشكل إطاراً لضبط عمل المصارف بهدف الالتزام بتعليمات لجنة بازل للرقابة المصرفية والتي تعتبر بمثابة عامل أمان يضمن حماية المنظومة المصرفية من التعرض لمخاطر الأزمات. مثل المعايير الخاصة بإدارة مخاطر السيولة، وإدارة مخاطر الائتمان، وتصنيف مخاطر الديون وتكوين مؤونات الديون غير المنتجة، وتركّزات المخاطر المصرفية، وإدارة المخاطر التشغيلية، وكفاية رأس المال.

من جهة أخرى يعمل مصرف سورية المركزي على ترسيخ مبادئ الحوكمة في القطاع المصرفي في سورية، وذلك بشكل مباشر وغير مباشر، فمعظم مبادئ الحوكمة يتم تطبيقها بقرارات وتعليمات صادرة عن مصرف سورية المركزي وتغطي معظم جوانب الحوكمة. كما تم تشكيل لجنة داخلية لوضع دليل استرشادي للحوكمة لدى المصارف العاملة في سورية التقليدية منها والإسلامية، ونحن الآن نضع اللمسات الأخيرة على هذا الدليل، وعملنا على أن يشمل الدليل جميع النقاط التي من شانها أن تحسن من الإدارة المصرفية وتعزز من القدرة الرقابية والتدقيقية على أعمال المصارف ونشاطاتها وتعطي جمهور المساهمين والمهتمين والمتعاملين مع المصارف المعلومات الضرورية بما يتناسب مع مبدأ الشفافية والإفصاح.

الجانب الثاني، دور مصرف سورية المركزي في الاستقرار الاقتصادي الكلي

على صعيد السياسة النقدية، لقد تم تحديد إستراتيجية للسياسة النقدية تقوم على تبني هدف نهائي طويل المدى يتمثل بالعمل على استقرار الأسعار ومكافحة التضخم. واستهداف سعر الصرف على المدى المتوسط وصولا لتحقيق الهدف النهائي. وذلك ضمن إطار الخطة الإستراتيجية لتحديث مصرف سورية المركزي الصادرة بقرار مجلس النقد والتسليف رقم (187/م ن/ب1) تاريخ 14/2/2006 والمصادق عليه من قبل السيد رئيس مجلس الوزراء بتاريخ 27/2/2006.

قام مصرف سورية المركزي بتوفير كل المقومات الأساسية لبناء آلية جديدة في تحديد سعر الصرف الذي يتلاءم ومعطيات الاقتصاد حيث أصبح استهداف سعر الصرف على المدى المتوسط الهدف الأولي والأساسي للسياسة النقدية. وفي هذا السياق قطعت سياسة سعر الصرف خلال الأعوام الأربعة الماضية شوطا كبيرا في التطوير والإصلاح، فبعد أن كان سعر صرف الليرة السورية لا يخضع لأية سياسة بل يتأثر فقط بما يجري على الساحة السياسة والاقتصادية، وتحدده قوى مختلفة في السوق السوداء وفي أسواق الدول المجاورة لبنان، الخليج، الأردن، أصبح المصرف المركزي اليوم يتحكم وإلى حد كبير بتحديد سعر الصرف.

كما تم اتخاذ القرار بفك ارتباط الليرة السورية بالدولار الأمريكي مقابل ربطها بسلة عملات "وحدة حقوق السحب الخاصة" وذلك لحماية قيمة الليرة السورية من تقلبات أسعار الصرف العالمية ولجعل سعر صرف الليرة السورية يتناسب وواقع ميزان المدفوعات السوري. وتم العمل على تنويع مكونات الاحتياطيات الرسمية من العملات الأجنبية بما يتناسب ومكونات وحدة حقوق السحب الخاصة

تجلت النتيجة في استقرار سعر صرف الليرة السورية رغم الضغوط والظروف التي مرت بها المنطقة خلال هذه الفترة، وفي كل مرة تكون تجربة أخرى لمصداقية السياسة النقدية في سورية والتزامها في استقرار سعر الصرف الذي يعتبر المؤشر الأكثر أهمية في السوق السورية على استقرار الأوضاع الاقتصادية المحلية.

ختاما، إن الاستقرار (بمختلف مفاهيمه وأبعاده) هو أحد العوامل الأكثر أهميةً وفعاليةً في جذب الاستثمار، ولا يقتصر الاستقرار على الجانب السياسي والأمني للدولة فقط، بل يمتد إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، كما يشمل البيئة التشريعية والقانونية. ويزداد دور الاستقرار المالي في ظل التخبط المالي العالمي مما يتيح فرصة استثنائية لجذب الاستثمارات الهاربة من هذا التخبط، والاستفادة منها في تمويل عملية التنمية ورفع القدرات وبناء البنى التحتية المادية والبشرية، لاسيما إذا ما ترافق هذا الاستقرار مع تحسين مناخ الاستثمار بشكل جدّي، وبوضع خطط تنموية طموحة وقابلة للتطبيق تظهر وتدل على محركات النمو الكامنة في القطاع الحقيقي والموجودة في المنطقة بوفرة.

 

 
 

>> المصدر : مصرف سورية المركزي