كلمة السيد حاكـــم مصرف سورية المركزي الدكتور أديب ميالة

"نحو تكتل مصرفي (شـنغن) في منطقة الشرق الأوسط تركيـا، سورية، لبنـان"

بيروت 1/10/2010

أيتها الأخوات أيها الأخوة:

منذ قرابة النصف عام اجتمعنا في دمشق في الملتقى السوري والتركي وهناك برزت بذور الفكرة لإقامة تكتل مصرفي سوري لبناني تركي، اليوم أقف بين الأخوات والأخوة من لبنان وتركيا لتجسيد أولى بوادر التوجه نحو إقامة هذا التكتل من خلال انعقاد هذا المؤتمر الهام الذي يضم كوكبة متميزة من الخبراء والاقتصاديين وأهل الخبرة والاختصاص، وعلني لا أبالغ في القول أنني على يقين تام بأننا وبجهود مشتركة وتعاون بناء وإرادة صلبة سوف نصل إلى مبتغانا.

واسمحوا لي أن أنتهز الفرصة لأتقدم بالشكر للأخ رياض سلامة حاكم مصرف لبنان على دعوته الكريمة لعقد هذا المؤتمر، كما أود أن أشكر مجموعة البنك والمستثمر والأخت نهلا النملي على وجه الخصوص على حسن التنظيم.

لقد شهدت الأعوام الماضية تسارعاً محموماً لدى الدول للتكتل وإن اختلفت أشكاله، ابتداءً من إقامة الأسواق الحرة المشتركة مروراً بالاتحادات الجمركية وانتهاء بالوحدة النقدية أو أبعد من ذلك الوحدة الاقتصادية، ولعل السبب في ذلك يعود إلى محاولة هذه الدول تعظيم المنفعة والاستفادة من الدروس التي أفرزتها الأزمات العديدة التي عصفت باقتصاديات الدول في السنوات الماضية، وليس من المبالغة القول إن الأزمة الأخيرة الحاصلة هي الأشد خطراً والأكثر تعقيداً من جميع مثيلاتها في العقود الماضية مما يعطي دافعاً إضافياً لدولنا للتوجه نحو تكثيف التعاون والتنسيق.

أيتها السيدات أيها السادة:

منذ أيام انعقدت أعمال المؤتمر الدوري لحكام المصارف المركزية في الدول المتوسطية    حيث ركزت أعمال المؤتمر على آثار الأزمة الأخيرة على هذه الدول ومن الملفت للنظر أن جميع الآراء تمحورت حول ذات النتيجة وهي محدودية آثار الأزمة على دول جنوب وشرق المتوسط، ولعل أهم سبب يقف وراء ذلك هو ضعف انخراط هذه الدول في الاقتصاد العالمي وتشددها في تطبيق المعايير الدولية للرقابة، انطلاقاً من المعطيات المحلية وواقع القطاع المالي والمصرفي لديها وبما ينسجم مع ما هو معمول به عالمياً، كما تمت الإشارة إلى تراجع الضغوط التضخمية التي عانت منها هذه الدول في مرحلة ما قبل الأزمة والتي نجمت بشكل رئيسي من ارتفاع مكون التضخم المستورد وارتفاع الأسعار في الاقتصاديات المتقدمة، كما خلصت نتائج المؤتمر إلى صوابية تطبيق دول جنوب وشرق المتوسط أنظمة مدارة لسعر الصرف التي أسهمت في تفادي أثر التقلبات الحادة في أسعار صرف العملات الرئيسية. كذلك فقد نادى المجتمعون بضرورة تطبيق ما أسموه "التدابير الاحترازية الكلية" والتي هي عبارة عن مزيج من الإجراءات الإدارية كوضع سقوف على الإقراض وتحديد معدل الاحتياطي الإلزامي وغيره من الإجراءات المباشرة التي لطالما وجهت المؤسسات الدولية الانتقاد لاقتصادياتنا لقيامها بمثل هذه الإجراءات.

ما أود التوصل إليه من خلال هذه المقدمة أن الفرصة لدينا اليوم متاحة والأبواب مفتوحة على مصراعيها لمد جسور التعاون وتمتين أواصر العلاقات المتبادلة بين دولنا على كافة الأصعدة لاسيما المصرفية والمالية منها.

وهنا لنا أن نؤكد على أن عمق العلاقات السياسية والتقارب الجغرافي والثقافي بين بلداننا تعتبر عوامل أساسية في إنجاح هذا التعاون، خاصة وأن هذا التعاون يتجاوز المفهوم الاقتصادي ليصل إلى حقيقة وجودنا المشترك في هذه المنطقة، ورغبتنا في تعزيز مكانتها.

إن مسؤوليتنا اليوم كقائمين على السياسة النقدية وعاملين في المجال المالي والمصرفي تتمثل في تمتين وتعميق التعاون المالي والمصرفي بين بلداننا، عبر تأسيس علاقات مالية ومصرفية متينة تدعم تطور التبادل التجاري، ودفع وتنمية الاستثمارات والمشاريع المشتركة، وبما يخدم تطلعاتنا نحو مزيد من التعاون والانفتاح الاقتصادي والذي يعود بالنفع علينا جميعاً.

السـيدات والسـادة:

لم يعد خافياً على أحد أهمية وضرورة التعاون لتحقيق الانسجام بين النظم المصرفية بشكل عام وعلى المستوى الإقليمي بشكل خاص، سيّما في مجالات الرقابة المصرفية وتبادل المعلومات عبر الدول، بالإضافة إلى تبادل الخبرات في المجالات المختلفة، خاصة وأن التطورات الأخيرة في الاقتصاد العالمي قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أهمية انسجام السياسات والإجراءات عبر الدول، وذلك لضمان أكبر قدر ممكن من الاستقرار المالي وسلامة ومتانة الجهاز المصرفي.

لقد شهد القطاع المالي والمصرفي في سورية تطورات متسارعة خلال الأعوام القليلة الماضية، وكان أبرز ملامح هذا التطور دخول المصارف الخاصة للعمل في سورية وذلك بعد صدور القانون رقم 28 للعام 2001 والذي شكل نقطة تحول نوعي في الاقتصاد السوري. كما عمل مصرف سورية المركزي على استكمال البيئة التشريعية اللازمة من خلال إصدار قانون إحداث المصارف الإسلامية رقم 35 للعام 2005، حيث ساهمت البنية التشريعية الحديثة للقطاع المصرفي في تنويعه وتعميقه سواءً من حيث عدد المؤسسات المالية أو من حيث نوعية الخدمات المقدمة وجودتها وسرعتها. وتحريك مكتنزات المواطنين وتحويلها إلى إيداعات في المصارف وقطع الطريق على جامعي الأموال. 

اليوم وبعد مرور حوالي سبع سنوات على دخول المؤسسات المالية المصرفية إلى سورية، ومن خلال النتائج والتطورات الكبيرة التي شهدها العمل المصرفي في سورية، يمكننا القول بأن السوق المصرفية في سورية هي سوق واعدة لاستثمارات المصارف العربية والأجنبية، وفي هذا السياق فقد بلغ عدد المصارف العاملة في السوق السورية 20 مصرفاً منها 11 مصرف خاص تقليدي وثلاثة مصارف إسلامية، وتعمل هذه المصارف من خلال شبكة واسعة من الفروع بلغ عددها481 فرعاً تغطي جميع المناطق السورية.

وتشير البيانات إلى التطور الكبير في عمل المصارف فقد وصل إجمالي حجم الودائع لدى المصارف المحلية بالليرة السورية والقطع الأجنبي (1323) مليار ليرة سورية بنهاية شهر تموز من العام الحالي، وبمعدل نمو فاق 16% لهذا العام.

وبالنسبة للتسهيلات الائتمانية فقد شهدت التسهيلات الائتمانية الممنوحة من قبل المصارف المحلية تطوراً كبيراً،  فقد تجاوز حجم التسهيلات الائتمانية الممنوحة من القطاع المصرفي (1141) مليار ليرة وذلك بمعدل نمو 21% عن مستواها في تموز2009.

ومن ناحية ثانية فإن صدور القانون رقم (3) للعام 2010 والذي تضمّن تعديل القانون رقم 28 والمرسوم التشريعي رقم 35، جهة رفع رأس مال المصارف إلى (220) مليون دولار بالنسبة للمصارف التقليدية ، و(330) مليون دولار بالنسبة للمصارف الإسلامية ، بالإضافة إلى رفع نسبة تملك غير السوريين من 49% لتصبح 60%، جاء من أجل تحصين المصارف ضد المخاطر المحتملة وزيادة قدرتها على تلبية احتياجات الاقتصاد الوطني المتنامية وضمان دخول المصارف ذات الأداء الجيد والسمعة العالمية فقط إلى السوق السورية.  

يضاف إلى ذلك إصدار مجموعة كبيرة من التشريعات الهامة لتطوير القطاع المالي والتي كان أهمها صدور المرسوم 15 للعام 2007 الخاص بإحداث مؤسسات التمويل الصغير،   وصدور القانون رقم 24 للعام 2006 الخاص بالترخيص لشركات ومكاتب الصرافة، والمرسوم الخاص بإحداث مصارف الاستثمار والمرسوم الخاص بالتأجير التمويلي.

السـيدات والسـادة:

لقد سلّطت الأزمة المالية العالمية الضوء على أهمية التعاون الدولي في مجموعة من قضايا السياسات وأقصد هنا بالتحديد سياسات سعر الصرف والسياسات الاحترازية على المستوى الكلي، حيث أصبح التعاون الدولي مطلوبا أكثر من أي وقت مضى، وهنا أود أن أشير إلى التخوف الذي كان سائداً خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي جرت خلال الشهر الماضي والذي عبر عنه مدير عام صندوق النقد الدولي فيما يتعلق بتراجع التعاون الدولي الذي ترافق مع شعور الدول بانحسار الأزمة المالية العالمية، وهنا يبرز تساؤل هام هو هل تراجعت بالفعل الأزمة المالية العالمية للدرجة التي بتنا فيها قادرين على الاستغناء عن التعاون على صعيد السياسات؟ من الواضح أن الإجابة ستكون بالنفي خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار المخاوف المتعلقة بانعكاسات التطورات الاقتصادية المعاكسة في البلدان المتقدمة على بلدان العالم الثالث، وأيضا إذا نظرنا إلى المخاوف الهائلة من قضية عدم التنسيق المرتبطة بتطورات أسعار الصرف والتي يمكن القول بأننا بدأنا نتحدث عنها أكثر من أي وقت مضى.

السـيدات والسـادة:

إن تعزيز الاستقرار المالي في المنطقة يتطلب زيادة الاهتمام بمبادئ الحوكمة على كافة المستويات كأولوية قصوى، كما أن التكامل بين أسواق المال في المنطقة والأسواق العالمية ورفع نسب المساهمة الأجنبية سوف يعزز من عملية الوساطة المالية في المنطقة ويسهل وصول القطاع الخاص للتمويل الأمر الذي شكل العائق الرئيسي أمام الاستثمار ورفع معدلات النمو الاقتصادي.

ختاماً:

إن هذا اللقاء المشترك يوفر لنا فرصة هامة للوقوف على واقع العمل المصرفي في بلداننا، والنظر في ضرورة التنسيق على صعيد السياسات والإجراءات الرقابية بهدف تحسين أداء القطاع المصرفي وتحصينه من الأزمات المحتملة، ولعل مبادرتنا اليوم لتوقيع مذكرات تفاهم مجال الرقابة المصرفية وتبادل المعلومات بين بلداننا دليل واضح على إرادتنا وسعينا لتوطيد هذا التعاون.

 

>> المصدر : مصرف سورية المركزي