كلمة السيد حاكم مصرف سورية المركزي في فعاليات

 " أيام الترويج لمرسين "

 

أيتها الأخوات أيها الأخوة:

منذ ما يقارب الأربعة أعوام مددنا أول خط ملاحي بحري بين ميناء اللاذقية عروس الساحل السوري وميناء مرسين عروس الساحل التركي، ومنذ ما يقارب العام أطلقنا أول قطار يصل بين مدينة حلب السورية ومدينة مرسين التركية، اليوم نقف في احتفالية أيام الترويج لمرسين لنمد جسراً جديداً من جسور التعاون السوري التركي، ونبني أنموذجاً جديداً للعلاقات المميزة بين البلدين، فها نحن اليوم نروج لمرسين وهاهم السائحون السوريون يتصدرون قائمة زوار مرسين فمن بين كل عشر سياح أجانب هناك سبعة سياح عرب، أربعة سياح منهم سوريين، ومن جانبها أتاحت لنا مرسين اليوم فرصة هامة لنقف هذه الوقفة مع المستثمرين الأشقاء في تركيا ونطلعهم على أهم إنجازات الإصلاح التي حققتها سورية بغية تحفيز النمو ورفع معدلات الاستثمار في ضوء التوجيهات الحكيمة للسيد الرئيس بشار الأسد.

 

أيتها الأخوات أيها الأخوة:

بين المبدأ والرغبات ثمة ما يؤكد أهمية العلاقات السورية-التركية بين البلدين الجارين الصديقين وثمة مصلحة مشتركة تستدعي المزيد من الخطوات التنفيذية لتعزيز ما بدأه كلا البلدين، حيث خطا البلدان وخلال فترة وجيزة خطوات كبيرة وهامة فاليوم هناك أكثر من خمسين اتفاقية ومذكرة تفاهم لعل أهمها اتفاقية منطقة التجارة الحرة واتفاقية مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وإحداث مجلس التعاون الاستراتيجي السوري التركي العالي المستوى وإلغاء سمة الدخول وتسهيل تدفق البضائع والمرور بين الجانبين.

لقد كانت نتيجة هذه الجهود الكبيرة المبذولة من الطرفين تزايد حجم التبادل التجاري ليفوق اليوم 2.5 مليار دولار أمريكي سنوياً، بعد أن كان لا يتجاوز 200 مليون دولار أمريكي عام 2004.

إن هذا إن دل على شيء فإنه يدل على تحول جذري في تاريخ البلدين، خط أحرفه الأولى السيد الرئيس بشار الأسد في زيارته الأولى إلى أنقرة عام 2004 والتي كانت الزيارة الأولى لرئيس سوري منذ أن حصلت سورية على استقلالها في عام 1946، لقد شكلت هذه الزيارة منعطفاً تاريخياً في العلاقات بين البلدين عنوانه الصداقة والتعاون والدعوة للتوصل إلى اتفاق بدلا من عدم الاتفاق، واستبدال العقبات والتقييدات الموجودة بين البلدين بمشروعات مشتركة ثنائية.

وهاهي سورية اليوم تطالب بضرورة وجود الوسيط التركي في كافة المفاوضات بما فيها استعادة مرتفعات الجولان المحتلة، نظرا لما أثبتته تركيا بوساطتها من مصداقية وموثوقية وحيادية ونزاهة.

 

أيتها الأخوات أيها الأخوة:

دعوني أنتهز الفرصة لأركز على أهم ملامح وسمات الإصلاح النقدي والتشريعات المالية والنقدية والمصرفية المتخذة بغية تشجيع الاستثمار وأسلط الضوء على أهم الإجراءات العملية الحاصلة خلال الفترة الوجيزة الماضية:

1.    المرسوم التشريعي رقم (8) لعام 2007 الذي يعد نسخة منقحة عن القانون رقم (10) لعام 1991 حيث ركز المرسوم على تشجيع وجذب الاستثمارات والسماح للمستثمر بتحويل أرباحه من رأس المال الأجنبي بالقطع الذي يختاره إلى الخارج، والسماح للمستثمر العربي والأجنبي بتملك الأصول والعقارات ضمن أغراض المشروع.

2.    المرسوم التشريعي رقم /57/ لعام 2004 الخاص بتفعيل وتطوير دراسة وتنفيذ واستثمار المدن الصناعية, وهو ما أدى بدوره إلى خلق البيئة المناسبة لجذب الاستثمارات الصناعية المحلية والعربية والأجنبية.

3.    زيادة الحد الأقصى للتسهيلات والتمويلات المسموح للمصارف بتقديمها لكل شخص طبيعي أو اعتباري أو إلى كل مجموعة مترابطة من 20% إلى 25% بهدف زيادة قدرة المصارف على التوسع في منح التمويل لاسيما الاستثماري منه.

4.    استثناء المشاريع الاستثمارية التنموية في القطر من تعليمات تركزات المخاطر المصرفية التي يتوجب على المصارف الالتزام بها، بحيث تم زيادة هذه النسبة من 25% إلى 35% من مجموع الأموال الصافية وذلك بهدف تمكين المصارف العاملة من منح التمويلات اللازمة والضرورية لدعم عملية التنمية.

5.    السماح للمصارف العاملة في الجمهورية العربية السورية بتمويل المشاريع الاستثمارية السياحية وفق صيغة الـ B.O.T  ضمن نسبة لا تتجاوز 50% من قيمة المشروع حيث يهدف هذا القرار إلى تحفيز الاستثمار لاسيما في القطاع السياحي.

6.    تخفيض متطلبات الاحتياطي الإلزامي على الجزء من الودائع الموجه كتسهيلات وتمويلات للقطاع الصناعي. وتأتي أهمية هذا القرار في تخفيض تكلفة التمويل المقدم للقطاع الصناعي مما يمكن المصارف من زيادة القروض الممنوحة لهذا القطاع.

7.  تفعيل دور مصرف سورية المركزي بصفته الملاذ الأخير للمصارف من حيث قيامه بتمويل المصارف بالليرات السورية بهدف دعم سيولتها وردم الفجوات المؤقتة الناجمة عن عمليات التمويل بشرط كون هذه العمليات للأغراض الاستثمارية حصرا.

8.    إطلاق نظام مخاطر القروض الذي يضمن مشاركة المستثمر بتقديم الضمانات الكافية للحصول على التمويل المصرفي الأمر الذي سيساعد في التوسع في منح التمويلات للمشاريع  الصناعية والاستثمارية.

9.    مؤخراً صدر القانون رقم (3) تاريخ 4/1/2010 الذي نص على رفع الحد الأدنى لرأس مال المصارف الخاصة التقليدية ليصل إلى (200) مليون دولار أمريكي، والمصارف الإسلامية ليصل إلى (300) مليون دولار أمريكي. كما نص القانون على رفع الحد الأقصى لنسبة تملك العرب والأجانب من 49% إلى 60%، ولنسبة مساهمة الشخصيات الاعتبارية من 49% إلى 60% مع إمكانية رفعها إلى 75% شرط أن تكون هذه الزيادة لتغطية مساهمة المؤسسات العامة وذلك بهدف إتاحة المجال للأجانب وخصوصا المصارف ذات التوسع الإقليمي والدولي والمصارف العالمية الكبيرة بتملك حصص كبيرة في رؤوس أموال المصارف، وزيادة الاستثمارات في القطاع المصرفي والمالي.

  

أيتها الأخوات أيها الأخوة:

لقد أثبتت تجارب الدول، أن مزيدا من التحرير المالي والانفتاح الاقتصادي لا يعني بالضرورة مزيدا من انكشاف الدولة للأزمات الاقتصادية والانتقاص من سيادية قراراتها، بل على العكس في كثير من الحالات فإن التحرير المالي يعني مزيداً من الشفافية والوضوح وإلغاء التعقيدات التي تقف في وجه المستثمر خصوصا عندما تترافق عملية التحرير المالي بوضع الضوابط والقيود اللازمة لعمل القطاع المالي والمصرفي إلى جانب وجود كادر رقابي مؤهل وكفء قادر على القيام بمهام الرقابة السابقة واللاحقة وبشكل مستمر.

إن حالة تركيا وسورية خير دليل على ما تقدم ويتضح ذلك من خلال الآثار المحدودة للأزمة الحالية على كل من الدولتين، وفي هذا السياق اسمحوا لي أن أذكر أهم خطوات التحرير المالي التي اتخذتها سورية والتي تعتبر الخطوة الأولى والأساسية لكسب ثقة المستثمر الأجنبي وجذب الاستثمارات المباشرة والاستثمارات المالية إلى السوق السورية:

1.  السماح بترخيص مهنة الصيرفة في سورية ولهذا القانون أهمية كبيرة في تنظيم دورة القطع إذ بمقتضاه تصبح جميع عمليات الصرف رسمية وخاضعة لرقابة مصرف سورية المركزي.

2.  خلق سوق نقدية حقيقية للمرة الأولى في تاريخ سورية، يتدخل فيها مصرف سورية المركزي كلاعب أساسي في السوق من خلال قيامه بالتدخل شاريا وبائعا للقطع الأجنبي لسد حاجة المصارف من القطع الأجنبي اللازم لتمويل عملياتها.

3.    تحرير الحساب الجاري من ميزان المدفوعات من خلال:

                     أ‌-         تمويل كافة عمليات التصدير والاستيراد عن طريق الجهاز المصرفي.

      ب‌-  السماح للمقيمين وغير المقيمين بفتح حسابات بالعملات الأجنبية لدى المصارف المرخّصة والتصرف بها بما لا يتعارض مع أحكام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

      ت‌-  السماح للمصارف المرخصة بيع المواطنين السوريين ومن في حكمهم مبلغ لا يتجاوز 10000 دولار أمريكي شهريا أو ما يعادله للأغراض غير التجارية، يعتبر هذا القرار خطوة هامة جدا إذ تم بموجبه إزالة القيود التي فرضتها أنظمة القطع السابقة على حرية التحويلات المالية للأغراض غير التجارية.

      ث‌-  السماح للمصارف المرخصة بيع المواطنين السوريين ومن في حكمهم العملات الأجنبية لتغذية حساب بطاقة دفع عالمية بحيث يحق للمواطن استخدام هذه البطاقة خارج القطر أو داخله، إلى جانب السماح له بالتعامل ببطاقات الائتمان الصادرة عن المصارف المرخصة والمغذاة بالقطع الأجنبي من الخارج.

       ج‌-   إلزام مؤسسات الطيران المرخصة ببيع بطاقات السفر بالليرات السورية للمقيمين ومن في حكمهم، وبالعملة الأجنبية للسوريين غير المقيمين والعرب والأجانب، وبحيث يحق لهذه المؤسسات تحويل صافي مبيعات بطاقات السفر إلى الخارج عن طريق المصارف المرخصة.

       ح‌-   إلغاء تعهد إعادة قطع التصدير إذ أصبح بإمكان المصدر السوري الاحتفاظ بالقطع الناجم عن عمليات التصدير والتصرف به كما يشاء.

4.  البدء التدريجي والمضبوط بتحرير الحساب الرأسمالي من ميزان المدفوعات بما ينسجم وخطة الحكومة بزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وذلك من خلال:

       أ‌-   السماح للمستثمر المرخص له وفقاً لقوانين تشجيع الاستثمار من الحصول على قرض بالعملة الأجنبية من أي مصرف خارجي لصالح مشروعه ومن ثم تسديد هذا القرض وفوائده عن طريق المصارف السورية.

      ب‌-  وكخطوة متممة تم السماح للمصارف المحلية بمنح القروض بالعملات الأجنبية لتمويل المشاريع الاستثمارية المرخصة وفقاً لقوانين تشجيع الاستثمار.

                  ت‌-      السماح للمستثمر السوري والعربي والأجنبي بإعادة تحويل حصيلة التصرف بحصته في المشروع المشمل بأحكام المرسوم التشريعي رقم (8) لعام 2007 وتحويل الأرباح والفوائد والعوائد التي يحققها المال الخارجي المستثمر، وذلك بعملة قابلة للتحويل إلى الخارج، كما تم السماح للمصارف المرخصة ببيع القطع الأجنبي للمستثمر لتحويل حصته وأرباحه إلى الخارج.

 

أيتها الأخوات أيها الأخوة:

إن الاستثمار في العلاقات السورية التركية اليوم هو استثمار في المستقبل فالتاريخ الذي خطه البلدان معا أعيدت ترجمته اليوم ليرسم مستقبلاً جديداً تمتد أفقه إلى جميع مناحي الحياة السياسة منها والاجتماعية والاقتصادية.

إن ما حققه البلدان من خلال التعاون والتنسيق المشترك خلال فترة وجيزة، إنما يشكل حافزا قويا لمد مزيد من جسور التعاون وأواصر العلاقات المتبادلة، في سبيل تسريع وتيرة العمل، وتحفيز النمو الاقتصادي، وجذب مزيد من الاستثمارات على الصعيد الاقتصادي عامة والنقدي والمالي على وجه الخصوص، ونحن اليوم من موقعنا هذا نرحب بالاستثمارات التركية التي دخلت وستدخل السوق السورية، والتي ستغني العمل على كافة الأصعدة الاقتصادية والنقدية والمصرفية والمالية، وستتيح مجالا أكبر للمنافسة، والارتقاء بسوية وجودة الخدمات المقدمة لكافة شرائح المجتمع، وستفتح المجال لكلا البلدين للنمو ودخول أسواق جديدة ومواكبة ركب التطور العالمي، فليس هناك ما يدعى اليوم بالحدود بين سورية وتركيا بل تم تحويل هذه الحدود إلى فضاء مشترك من العمل والتنسيق والازدهار.

 

>> المصدر : مصرف سورية المركزي