|
كلمة الدكتور أديب ميالة حاكم مصرف سورية
المركزي
في ملتقى تجارب المصارف التجارية السورية
التركية
دمشق 24/1/2010
أيتها الأخوات أيها الأخوة:
تعد العلاقات السورية التركية اليوم أنموذجا مميزاً للعلاقات بين
الدول، فضمن إطار أصعب الظروف التي يعيشها العالم والأزمة المالية
الحاصلة، وخلال فترة وجيزة تمكن البلدان من تحقيق إنجازات كبيرة
على مستوى العلاقات المتبادلة بينهما، حيث تم توقيع أكثر من خمسين
اتفاقية ومذكرة تفاهم، إلى جانب إلغاء سمة الدخول بينهما وتسهيل
تدفق البضائع والمرور بين الجانبين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل
على عمق الروابط والعلاقات المتبادلة
وتجذرها بين البلدين.
كذلك فقد تم إحداث مجلس التعاون الاستراتيجي السوري التركي العالي
المستوى، الذي يعتبر ثمرة التعاون والتنسيق السوري التركي، وترجمة
لإرادة القيادتين للتوصل إلى آلية تعاون مستمرة وتحويل التعاون
الاقتصادي إلى تكامل اقتصادي، بحيث يضع هذا المجلس آلية حوار منظمة
وفاعلة تضمن التعاون وتنسيق العلاقات بين البلدين والارتقاء بسوية
العلاقات بينهما.
هذا ويعمل البلدان في إطار برنامج التعاون الإقليمي السوري التركي
على إنجاز المشاريع المتعلقة بإعادة تأهيل المراكز الحدودية،
وإقامة مراكز لإدارة الكوارث، والإطفاء، والإسعاف، إضافة إلى
التعاون بين الفعاليات الاقتصادية من الجانبين في المجالات
الاقتصادية، والتجارية، ولاسيما في قطاع المصارف، وإقامة المشاريع
الصناعية، والسياحية المشتركة في المناطق الحدودية، وإزالة
المعوقات التي تعترض تنفيذ هذه المشاريع.
كنتيجة حتمية لما سبق تحتل تركيا حالياً مرتبة متقدمة جداً بين
الدول المستثمرة في سورية، وتتركز هذه الاستثمارات في القطاع
الصناعي، مثل تصنيع الأبراج المعدنية، وغلفنة المعادن، وتصنيع
وصيانة القاطرات والعربات والشاحنات، وتصنيع آلات ومعدات المعامل
الصناعية، وتكرير وتعبئة زيت الزيتون والزيوت النباتية، والإسمنت،
وإنشاء البنية التحتية للخط الحديدي، وتصنيع قاطرات وعربات الركاب،
والشاحنات، إضافة إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى.
ولعل أهم الاتفاقيات التي وقعت بين البلدين في المجال الاقتصادي
والتجاري اتفاقية منطقة التجارة الحرة التي دخلت حيز التنفيذ مع
بداية عام 2007، حيث ستساهم هذه الاتفاقية في دفع العلاقات
الاقتصادية بين البلدين إلى مزيد من التطور والتقدم بما ستفتحه من
مجالات واسعة للتعاون وإقامة الاستثمارات في البلدين ورفع حجم
التبادل التجاري بين سورية وتركيا، ولعل أهم البنود التي تضمنتها
هذه الاتفاقية والتي ستساهم في تشجيع العمل المصرفي والمالي هي
إلغاء الرسوم الجمركية على مستوردات كلا البلدين بنسبة 100% وتحرير
المدفوعات المرتبطة بتمويل التجارة وتفكيك كافة القيود على صرف
العملة إلى جانب إلغاء كافة الإجراءات التقييدية على التحويلات
المرتبطة بالاستثمارات لاسيما تلك المرتبطة بإعادة المبالغ
المستثمرة أو المعاد استثمارها أو أي نوع من العائدات الناجمة عن
ذلك.
كما تم في العام 2008 التوقيع على مذكرة تفاهم في مجال مكافحة غسل
الأموال وتمويل الإرهاب, وتهدف هذه المذكرة إلى التعاون في تبادل
وتحليل المعلومات المالية المتعلقة بجرائم غسل الأموال وتمويل
الإرهاب والنشاطات الإجرامية المتصلة بها بين وحدة التحريات
المالية في سورية ونظرائها في الدول الأخرى. وتتيح مثل هذه
المذكرات خلق منافذ أو آليات أو قنوات واضحة وفعالة لتسهيل التبادل
الفوري والبناء للمعلومات مباشرة بين وحدات مكافحة غسل الأموال في
سورية وتركيا.
أيتها الأخوات أيها الأخوة:
إن تتبع تاريخ العلاقات السورية التركية، يبين أن التطورات الحاصلة
خلال العقد الماضي تشكل تحول جذري في تاريخ البلدين، بل إن ما يجري
اليوم يعيد كتابة حقبة جديدة من العلاقات السورية التركية، حيث
شكلت زيارة السيد الرئيس بشار الأسد إلى أنقرة في عام 2004 والتي
كانت الزيارة الأولى لرئيس سوري منذ أن حصلت سورية على استقلالها
في عام 1946، منعطفاً تاريخياً في العلاقات بين البلدين عنوانه
الصداقة والتعاون والدعوة للتوصل إلى اتفاق بدلا من عدم الاتفاق،
واستبدال العقبات والتقييدات الموجودة بين البلدين بمشروعات مشتركة
ثنائية.
اليوم وبعد مرور خمسة أعوام على هذه الزيارة التاريخية تم التوصل
إلى اتفاقية تجارة ثنائية بين البلدين حيث يصل حجم التبادل التجاري
إلى ما يقارب 2مليار دولار سنويا.
وهاهي سورية اليوم تطالب بضرورة وجود الوسيط التركي في كافة
المفاوضات بما فيها استعادة مرتفعات الجولان المحتلة، نظرا لما
أثبتته تركيا بوساطتها من مصداقية وموثوقية وحيادية ونزاهة.
إن الاستقرار السياسي الذي ينعم به البلدين أسهم إلى حد كبير في
بناء علاقات قوية ومتينة أدت إلى انتعاش المناخ الاستثماري على
الرغم من التوترات السياسية التي تعيشيها المنطقة، إذ يشكل هذا
الاستقرار بنية صلبة تمكن القائمين على إصدار وتنفيذ التشريعات
والقوانين والقرارات الاقتصادية الصادرة من تحقيق الأهداف المرجوة
منها.
أيتها الأخوات أيها الأخوة:
إن مؤتمرنا اليوم يشكل فرصة استثنائية للوقوف على خلاصة تجربة
القطاع المصرفي السوري والتركي، وتبادل الخبرات حول أهم الإجراءات
الواجب إتباعها لتشجيع العمل المصرفي وتوجيهه نحو مزيد من عمليات
التمويل التنموي والاستثماري التي لها الدور الفعال في تعزيز النمو
والتعاون الاقتصادي لدى البلدين.
إن الأعوام الخمس الماضية قد حددت ملامح السياسة النقدية في سورية
التي رسمت أسسها الخطة الخمسية العاشرة، بتوجيهات السيد الرئيس
بشار الأسد نحو سياسة نقدية مستقلة ذات مصداقية وقائمة على الإعلان
المسبق الواضح والصريح عن الهدف الذي تسعى السياسات النقدية إلى
تحقيقه كل عام.
حيث تَبيّن لنا نتيجة هذه التجربة كقائمين على السياسة النقدية،
وعاملين في السوق المالي والمصرفي، ومساهمين في رسم خطوط السياسة
الاقتصادية الكلية في سورية، ومسؤولين ومساءلين عن نجاح تنفيذها،
أن الاستقلالية التي أعطتها الحكومة للمصرف المركزي من جهة تبعيته
للسيد رئيس مجلس الوزراء ومن خلال الخطة الخمسة العاشرة وضمن إطار
إستراتيجية السياسة النقدية المصادق عليها من قبل السيد رئيس مجلس
الوزراء، هي العامل الأساسي والحاسم في نجاح السلطة النقدية بتحقيق
كامل الأهداف النقدية والاقتصادية بصورة تفوق تلك المحددة لها ضمن
الخطة، فمزيد من الاستقلالية يعني مزيد من التنسيق المشترك
والانسجام مع السياسات الاقتصادية الكلية لتحقيق الأهداف المرجوة،
ولعل أهم الأمثلة المتجسدة في رغبة الحكومة إعطاء المصرف المركزي
مزيدا من الاستقلالية وتنقية الوضع النقدي وفض التشابكات مع وزارة
المالية ومؤسسات قطاع العام الاقتصادي، هو إصدار المرسوم التشريعي
رقم (60) لعام 2007 القاضي بإصدار أذونات وسندات الخزينة، ما يعني
وقف تمويل عجوزات الموازنة والعجوزات التموينية عن طريق الاعتماد
على المصرف المركزي والتمويل بالعجز وإيجاد آلية التمويل المناسبة
التي تضمن إعطاء المصرف المركزي الاستقلالية والسلطة لإدارة الكتلة
النقدية وإحكام سيطرته عليها بما يخدم الهدف النهائي المنصوص عليه
والمتمثل بالسعي لضمان استقرار الأسعار.
اليوم ومع الانتهاء من تعديل قانون النقد الأساسي نسعى جاهدين
لإعطاء المصرف المركزي أيضا مزيدا من الاستقلالية التشغيلية على
مستوى وضع الأهداف الوسيطة ونظام سعر الصرف والأدوات الملائمة
لتنفيذ الأهداف النهائية، مع تحقيق مزيد من التنسيق مع الحكومة
لوضع الأهداف النهائية للسياسة النقدية بشكل يتسق مع الأهداف
الاقتصادية الكلية المحددة في خطة الحكومة.
أيتها الأخوات أيها الأخوة:
دعوني أنتهز فرصة تركيز ملتقانا اليوم حول دور القطاع المصرفي
والمالي في تهيئة المناخ المناسب والقاعدة الضرورية لرفع وتيرة
تدفق رؤوس الأموال بهدف دعم الاستثمار في كلا البلدين واسمحوا لي
أن أعدد أهم الإنجازات التي اتخذتها سورية عامة والسياسة النقدية
خاصة على سبيل تشجيع الاستثمار:
1.
المرسوم التشريعي رقم (8) لعام 2007 الذي يعد نسخة منقحة عن
القانون رقم (10) لعام 1991 حيث ركز المرسوم على تشجيع وجذب
الاستثمارات والسماح للمستثمر بتحويل أرباحه من رأس المال الأجنبي
بالقطع الذي يختاره إلى الخارج، والسماح
للمستثمر العربي والأجنبي بتملك الأصول والعقارات ضمن أغراض
المشروع.
2.
السماح للمستثمر السوري والعربي والأجنبي بإعادة تحويل حصيلة
التصرف بحصتة من المشروع المُشمَّل بأحكام المرسوم التشريعي رقم
/8/ لعام 2007 بعملة قابلة للتحويل إلى الخارج.
3.
المرسوم التشريعي رقم /57/ لعام 2004 الخاص بالمدن الصناعية والذي
يعتبر خطوة هامة على طريق تفعيل وتطوير دراسة وتنفيذ واستثمار
المدن الصناعية, وهو ما أدى بدوره إلى خلق البيئة المناسبة لجذب
الاستثمارات الصناعية المحلية والعربية والأجنبية، واستيعاب التوسع
الحاصل في القطاع الصناعي الحالي والمستقبلي.
4.
زيادة الحد الأقصى للتسهيلات والتمويلات المسموح للمصارف بتقديمها
لكل شخص طبيعي أو اعتباري أو إلى كل مجموعة مترابطة من 20% إلى 25%
بهدف زيادة قدرة المصارف على التوسع في منح التمويل لاسيما
الاستثماري منه.
5.
استثناء المشاريع الاستثمارية التنموية في القطر من تعليمات تركزات
المخاطر المصرفية التي يتوجب على المصارف الالتزام بها، بحيث تم
زيادة هذه النسبة من 25% إلى 35% من مجموع الأموال الصافية وذلك
بهدف تمكين المصارف العاملة من منح التمويلات اللازمة والضرورية
لدعم عملية التنمية.
6.
السماح للمصارف العاملة في الجمهورية العربية السورية بتمويل
المشاريع الاستثمارية السياحية وفق صيغة الـ
B.O.T
ضمن نسبة لا تتجاوز 50% من قيمة وتنبع أهمية هذا القرار من الأهمية
المتزايدة للقطاع السياحي في الاقتصاد السوري, حيث يهدف هذا القرار
إلى تحفيز الاستثمار في القطاع السياحي خاصة في ظل الأزمة المالية
العالمية إذ يعتبر هذا القطاع أحد روافع النمو الرئيسية في
الاقتصاد.
7.
تخفيض متطلبات الاحتياطي الإلزامي على الجزء من الودائع الموجه
كتسهيلات وتمويلات للقطاع الصناعي. وتأتي أهمية هذا القرار في
تخفيض تكلفة التمويل للقطاع الصناعي مما يمكن المصارف من زيادة
القروض الممنوحة لهذا القطاع.
8.
تفعيل دور مصرف سورية المركزي بصفته الملاذ الأخير للمصارف من حيث
قيامه بتمويل المصارف بالليرات السورية بهدف دعم سيولتها وردم
الفجوات المؤقتة الناجمة عن عمليات التمويل بشرط كون هذه العمليات
للأغراض الاستثمارية حصرا.
9.
المصادقة على النظام الأساسي لمؤسسة ضمان مخاطر القروض التي ستعمل
على تمكين المصارف من توسيع حجم التمويل المقدم من خلال تشارك
المخاطر بين مؤسسة ضمان مخاطر القروض والمصرف بالإضافة إلى إيجاد
حل لمشكلة توفير الضمانات التي تطلبها المصارف لغرض الحصول على
التمويل، الأمر الذي سيساعد في التوسع في منح التمويلات للمشاريع
الصناعية والاستثمارية.
10.
مؤخراً صدر القانون رقم (3) تاريخ 4/1/2010 الذي نص على رفع الحد
الأدنى لرأس مال المصارف الخاصة التقليدية ليصل إلى (200) مليون
دولار أمريكي، والمصارف الإسلامية ليصل إلى (300) مليون دولار
أمريكي. حيث يهدف القانون إلى استقطاب المصارف العالمية الكبيرة
ذات السمعة العالية بما يحسن من شروط المنافسة ويساعد على تنويع
الخدمات المصرفية، وزيادة قدرة المصارف على تحمل مخاطر تمويل
المشاريع الكبيرة ذات النفع الأكبر للاقتصاد الوطني والتي لم يتم
تمويلها سابقا بسبب ضعف رؤوس أموال المصارف، كما أن زيادة ملاءة
المصارف المحلية يضمن إمكانية حصول الأنشطة الاقتصادية المحلية على
تسهيلات وخدمات مالية عالمية أكبر بسبب قدرتها على تقديم الكفالات
المطلوبة، من جانب آخر فإن هذا القانون سيساهم في تحويل الفوائض
المالية الموجودة بإيدي المواطنين من التوظيف على شكل إيداعات
مصرفية إلى استثمارها في الاكتتاب بالأسهم المصدرة لدى زيادة رؤوس
أموال المصارف، الأمر الذي يعزز من انتشار الثقافة المالية ويفعل
العمل لدى سوق الأوراق المالية. كما نص القانون على رفع رفع الحد
الأقصى لنسبة تملك العرب والأجانب من 49% إلى 60%، ولنسبة مساهمة
الشخصيات الاعتبارية من 49% إلى 60% مع إمكانية رفعها إلى 75% شرط
أن تكون هذه الزيادة لتغطية مساهمة المؤسسات العامة وذلك بهدف
إتاحة المجال للأجانب وخصوصا المصارف العالمية الكبيرة بتملك حصص
كبيرة في رؤوس أموال المصارف، مما يضمن حرصهم على نجاح عمل المصرف
نظرا لحيازتهم الحصة الأكبر فيه، لكن تجدر الإشارة إلى القانون لم
يسمح بقبول هذه الزيادات ما لم تتم زيادة رأسمال المصرف إلى ما لا
يقل عن 50% من الحد الأدنى المنصوص عنه، إلى جانب اشتراط عدد من
المعايير الواجب توافرها في الشريك الاستراتيجي الأجنبي أو العربي
بحيث يمثل هذا الشريك مؤسسة مصرفية تتمتع بسمعة عالمية جيدة وخبرة
متميزة في مجال العمل المصرفي وانتشار واسع وتتسم مؤشراتها المالية
بمتانة عالية. وذلك بهدف التأكد من تقييد توسيع مساهمة الأجانب
وقصر المجال على المصارف المتميزة والتي تتمتع بمتانة رأس المال
وجودة الأداء.
أيتها الأخوات أيها الأخوة:
لقد أثتبتت تجارب الدول، أن مزيدا من التحرير المالي والانفتاح
الاقتصادي لا يعني بالضرورة مزيدا من انكشاف الدولة للأزمات
الاقتصادية والانتقاص من سيادية قراراتها، بل على العكس في كثير من
الحالات فإن التحرير المالي يعني مزيد من الشفافية والوضوح وإلغاء
التعقيدات التي تقف بوجه المستثمر خصوصا عندما تترافق عملية
التحرير المالي بوضع الضوابط والقيود اللازمة لعمل القطاع المالي
والمصرفي إلى جانب تواجد كادر رقابي مؤهل وكفء قادر على القيام
بمهام الرقابة السابقة واللاحقة وبشكل مستمر.
إن حالة تركيا وسورية خير دليل على ما تقدم ويتضح ذلك من خلال
الآثار المحدودة للأزمة الحالية على كل من الدولتين، وفي هذا
السياق اسمحوا لي أن أذكر أهم خطوات التحرير المالي التي اتخذتها
سورية والتي تعتبر الخطوة الأولى والأساسية لكسب ثقة المستثمر
الأجنبي وجذب الاستثمارات المباشرة والاستثمارات المالية إلى السوق
السورية:
1.
إصدار القانون رقم (24) تاريخ 24/4/2006 والقاضي بالسماح بترخيص
مهنة الصيرفة في سورية ولهذا القانون أهمية كبيرة في تنظيم دورة
القطع إذ بمقتضاه تصبح جميع عمليات الصرف رسمية وخاضعة لرقابة مصرف
سورية المركزي.
2.
إصدار مجلس النقد والتسليف قراره القاضي بتنظيم مراكز القطع
الأجنبي ما يعني خلق سوق نقدية حقيقية للمرة الأولى في تاريخ
سورية، يتدخل فيها مصرف سورية المركزي كلاعب أساسي في السوق من
خلال قيامه بالتدخل شاريا وبائعا للقطع الأجنبي لسد حاجة المصارف
من القطع الأجنبي اللازم لتمويل عملياتها وبما يضمن سيطرة المصرف
المركزي على تدفقات القطع الأجنبي لتأمين استقرار سعر الصرف.
3.
تحرير الحساب الجاري من ميزان المدفوعات والعمل وفقا للمادة
الثامنة من اتفاقية صندوق النقد الدولي التي تنص على تحرير قابلية
تحويل الليرة السورية لغايات الحساب الجاري كتمويل عمليات التجارة
الخارجية وعمليات التحويل المالي، وفي هذا السياق فقد قام المصرف
المركزي باتخاذ جملة من القرارات والإجراءات للوصول إلى التحرير
الكامل للحساب الجاري يمكن إجمالها بالآتي:
أ-
يتضمن تحرير الحساب الجاري بالدرجة الأولى تحرير عمليات التصدير
والاستيراد الأمر الذي يعني ضمنا إجراء جميع هذه العمليات عن طريق
الجهاز المصرفي، حيث تم التحرير الكامل لعمليات تمويل المستوردات
في عام 2006 من خلال السماح للمصارف المرخص لها التعامل بالقطع
الأجنبي بتمويل كامل مستوردات القطاعين الخاص والمشترك، إلى جانب
السماح لشركات الصيرفة ببيع المستوردين القطع الأجنبي من حساباتها
المفتوحة لدى المصارف المرخصة حصراً أو من خلال إصدار الحوالات
الخارجية.
ب-
السماح للمقيمين وغير المقيمين بفتح حسابات بالعملات الأجنبية لدى
أحد المصارف المرخّصة، وتغذيتها بجميع وسائل الدفع المحررة
بالعملات الأجنبية، والتصرف بها وفق أنظمة القطع النافذة، بما لا
يتعارض مع أحكام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ت-
السماح للمصارف المرخصة بيع المواطنين السوريين ومن في حكمهم مبلغ
لا يتجاوز 10000 دولار أمريكي شهريا أو ما يعادله من العملات
العربية والأجنبية للأغراض غير التجارية، يعتبر هذا القرار خطوة
هامة جدا إذ تم بموجبه إزالة القيود التي فرضتها أنظمة القطع
السابقة على حرية التحويلات المالية للأغراض غير التجارية.
ث-
السماح للمصارف المرخصة بيع المواطنين السوريين ومن في حكمهم
العملات الأجنبية لتغذية حساب بطاقة دفع عالمية بحيث يحق للمواطن
استخدام هذه البطاقة خارج القطر أو داخله، إلى جانب السماح له
بالتعامل ببطاقات الائتمان الصادرة عن المصارف المرخصة والمغذاة
بالقطع الأجنبي من الخارج.
ج-
إلزام مؤسسات الطيران المرخصة ببيع بطاقات السفر بالليرات السورية
للمقيمين ومن في حكمهم، وبالعملة الأجنبية للسوريين غير المقيمين
والعرب والأجانب، وبحيث يحق لهذه المؤسسات تحويل صافي مبيعات
بطاقات السفر إلى الخارج عن طريق المصارف المرخصة.
ح-
إلغاء تعهد إعادة قطع التصدير إذ أصبح بإمكان المصدر السوري
الاحتفاظ بالقطع الناجم عن عمليات التصدير والتصرف به كما يشاء.
4.
البدء
التدريجي والمضبوط بتحرير الحساب الرأسمالي بما ينسجم وخطة الحكومة
بزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لذا فقد تم إعداد الآلية
اللازمة التي تمكن المستثمر المرخص له وفقاً لقوانين تشجيع
الاستثمار من الحصول على قرض بالعملة الأجنبية من أي مصرف خارجي
لصالح مشروعه سواءً على شكل مبالغ بالعملة الأجنبية أو على شكل
مقدمات عينية، ومن ثم تسديد هذا القرض وفوائده عن طريق المصارف
السورية.
5.
وكخطوة متممة تم السماح للمصارف المرخصة بمنح القروض بالعملات
الأجنبية لتمويل المشاريع الاستثمارية المرخصة وفقاً لقوانين تشجيع
الاستثمار مع ترك الحرية للمقترض لاختيار طريقة تسديد القرض إما عن
طريق حساباته بالعملة الأجنبية لدى المصارف المحلية أو في الخارج
أو عن طريق شراء القطع من المصرف المُقرض.
أيتها الأخوات أيها الأخوة:
لقد ساهمت البنية التشريعية الحديثة للقطاع المصرفي في تنويعه
وتعميقه سواءً من حيث عدد المؤسسات المالية أو من حيث نوعية
الخدمات المقدمة وجودتها وأدائها. فدخول المصارف الخاصة إلى السوق
السورية أدى إلى انتقال مجموعة واسعة من الخبرات التي اكتسبتها هذه
المصارف في بلدانها الأم إلى القطاع المصرفي السوري، هذا بالإضافة
إلى تحفيز المنافسة بين المصارف العاملة وهو ما انعكس إيجاباً على
نوعية الخدمات المقدمة للمواطنين.
وبنتيجة ذلك
يعمل اليوم في السوق السورية (18) مصرف بعد أن كانت (9) مصارف فقط
في نهاية عام 2004؛ موزعة بين (6) مصارف حكومية و(10) مصارف خاصة،
و (3) مصارف إسلامية, بالإضافة إلى الترخيص لمصرفين تقليديين ومصرف
إسلامي, وتعمل هذه المصارف من خلال شبكة واسعة من الفروع وصلت إلى
(436) فرعاً في عام 2009 بعد أن كان عدد الفروع (276) عام 2004.
كما تم الترخيص حتى تاريخه لـ (15) شركة صرافة و (15) مكتب، أما
بخصوص مؤسسات التمويل الصغير فقد تم حتى تاريخه الترخيص لمؤسستين
باشرت إحداهما نشاطها في السوق.
إن هذا الانتشار الواسع للمصارف العاملة وتنوع الخدمات التي تقدمها
في كافة المناطق السورية يوفر قاعدةً هامة بالنسبة للمستثمرين
السوريين والأجانب تساعدهم على إجراء مدفوعاتهم وتسويتها من خلال
فروع المصارف وذلك بأقصر وقت وأقل جهد.
مما سبق يمكننا القول أن الإجراءات التي اتخذها مصرف سورية المركزي
خلال الأعوام القليلة الماضية استهدفت بالدرجة الأولى دعم النمو
الاقتصادي وتحفيز مختلف القطاعات الاقتصادية لمزيد من التطور
والنمو وذلك من خلال التأثير على قنوات التمويل في الاقتصاد،
وإزالة العوائق والصعوبات خصوصاً تلك المتعلقة بالحصول على التمويل
للأغراض الاستثمارية وذلك في سبيل جذب المزيد من الاستثمارات
الأجنبية إلى جانب تشجيع عودة رؤوس الأموال السورية الموجودة في
الخارج.
أيتها الأخوات أيها الأخوة:
إن سورية وتركيا تاريخ تتم إعادة صياغته، ليشكل مستقبلاً تمتد أفقه
إلى جميع مناحي الحياة السياسة منها والاجتماعية والاقتصادية،
فالذي حققه البلدان من خلال التعاون والتنسيق المشترك خلال فترة
وجيزة، إنما يشكل حافزا قويا لمد مزيد من جسور التعاون وأواصر
العلاقات المتبادلة، في سبيل تسريع وتيرة العمل، وتحفيز النمو
الاقتصادي، وجذب مزيد من الاستثمارات على الصعيد الاقتصادي عامة
والنقدي والمالي على وجه الخصوص، ونحن اليوم من موقعنا هذا نرحب
بالاستثمارات التركية التي دخلت وستدخل السوق السورية، ونؤكد بأن
المصارف والمؤسسات المالية التركية التي تعتزم دخول السوق السورية
ستغني العمل المصرفي بخلاصة تجربة المصارف التركية الغنية، وستتيح
مجالا أكبر للمنافسة، والارتقاء بسوية العمل المالي والمصرفي،
وستفتح المجال لكلا البلدين للنمو ودخول أسواق جديدة ومواكبة ركب
التطور العالمي، فسورية اليوم هي بوابة تركية إلى الشرق الأوسط
والخليج العربي، وتركية هي
بوابة سورية إلى أوربة وباقي العالم.
والله ولي التوفيق
|