كلمـة سعادة حاكـم مصـرف سوريـة المركـزي

الدكتـور أديب ميـالة

في المؤتمر الخامس للمصارف الإسلامية

دمشق 15-16/3/2010

 

أصحاب المعالي والسعادة

أيها الأخوة :

 

يطيب لي بداية أن أعرب عن سعادتي بحضور هذه الكوكبة البارزة من صانعي السياسات والقائمين على الرقابة المصرفية وذوي الصدارة في عالم الصيرفة الإسلامية والخبراء الماليين والأكاديميين وممثلي المنظمات الدولية الإسلامية.

إن مؤتمرنا اليوم يشكل حلقة جديدة في سلسلة مؤتمرات الصيرفة الإسلامية التي عقدت خلال السنوات الخمس الماضية تجسيدا لرغبتنا ورغبة كل من تغلغلت الصيرفة الإسلامية في أركان اقتصاده، في تقييم ما وصلت إليه هذه الصيرفة وإلقاء الضوء على النجاحات التي حققتها والعقبات التي اعترضت سبيلها، ومن ثم تحديد الاتجاهات المستقبلية لما ستكون عليه صناعة الصيرفة الإسلامية مستقبلا لاسيما بعد أن ألقت الأزمة المالية العالمية ظلالها، سواء من حيث ابتكار المزيد من أدوات الصيرفة الإسلامية ضمن الحدود التي تتوافق مع تعاليم الشريعة الإسلامية فما يمكن استخراجه من بطون الفقه الإسلامي كفيل بإبهار العالم بأدوات مالية تجمع بين تدني المخاطرة و زيادة العائد خلافاً لكل النماذج التقليدية دونما الحاجة لتخطي الحدود الشرعية، أو من حيث إيجاد مزيد من صيغ التوافق بين شتى الممارسات الحالية للعمل المصرفي الإسلامي وأسس الرقابة على العمل المصرفي والأعراف المصرفية.

 

أيتها السيدات والسادة: 

لازال الجدل حول الكثير من جوانب الصيرفة الإسلامية قائما فمن معارض للتوريق إلى مؤيد لتحليله ومن مناد بضرورة التنويع إلى محذر من مغبات الوقوع في المحرمات، لكن ما يجب العودة إليه دائما وأبدا هو التذكير بيسر الدين الإسلامي القائم على بساطة قواعده وسهولة تطبيقها لغير المختصين قبل المختصين منهم.

القاعدة أيها الأخوة في الفقه الإسلامي تنبع من قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "إن الله فرض فرائض فلا تضيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياءٍ رحمةً بكم غيرَ نِسيانٍ، فلا تبحثوا عنها".

فالأصل إذا في المعاملات هو الحل ما لم يرد بشأنه نص صريح من القرآن والسنة والإجماع، والغاية من التحريم لا تتحقق إلا بهدف إزالة الشوائب من المعاملات وتنقيتها وتنظيم الأمور بين شيوع الناس، كما أن الحاجة تنزل منزل الضرورة فالضرورات وحدها هي التي تبرر إزالة المحظورات.

لقد وضع مصرف سورية المركزي في إطار سعيه لتطوير العمل المصرفي الإسلامي وتنويعه هذه القواعد أساساً للحكم على التعامل بأي نوع من أنواع المنتجات الإسلامية ولتنظيم العمل الإسلامي والرقابة عليه.

ومن هنا فقد أتى تأييد المصرف المركزي وسعيه الحثيث لإصدار الصكوك الإسلامية بل إننا اليوم نعول عليها الكثير لدعم نمو الصيرفة الإسلامية، فالصكوك الإسلامية وفي حال مراعاة استخدامها للأحكام الشرعية المعتبرة هي أكثر المنتجات تعبيرا عن جوهر الصيرفة الإسلامية الذي يقوم على تقاسم المخاطر فالصكوك الإسلامية هي أصول حقيقية أشبه بالأسهم وليست وهمية أو مجرد ديون والعائد عليها يرتبط بالعائد على الأصول التي تمثلها والتي لا يجب أن تكون بأي شكل من الأشكال ديونا ربوية، لذا فإن الانتقادات التي وجهت للصكوك الإسلامية بما فيها تلك الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية هي نتيجة قيام بعض مصدري الصكوك بمخالفة أحكام الشريعة الإسلامية وجعلها تبدو أقرب للدين الربوي كتعهد مصدر الصك مثلاً بشرائه من حامله بقيمته الاسمية وهذا يعد ضمانا لقيمة الصك ويحوله إلى دين ربوي مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، وعليه فالحل هو ليس التخلص من المريض بل استئصال المرض، وهذا هو صلب عمل المصارف المركزية التي يتوجب عليها وضع الضوابط التشريعية والتنفيذية لاستخدام الصكوك الإسلامية بما يضمن عدم مخالفتها للحدود الإسلامية ومساهمتها بشكل فعال في دعم نمو المنتجات الإسلامية.

 

أيتها السيدات والسادة: 

سأسمح لنفسي أن أقتبس مما قاله سماحة المفتي الأخ بدر الدين حسون في المؤتمر الرابع للمصارف الإسلامية بخصوص الجدل الدائر حول موضوع التورق حيث تفضل سماحة المفتي بان التورق الذي هو بيع الدين عبر أوراق وبآجال محددة دون ضوابط (وأكرر هنا للأهمية دون ضوابط) هو الربا بعينه.

وهنا أعود إلى القاعدة التي ذكرتها قبل قليل بأن الحدود واضحة ولكن الحاجة تنزل منزل الضرورة، فالحدود في هذا المجال معروفة وهي عدم جواز تقديم المصرف الإسلامي النقود مباشرة إلى العميل فالأصل في المعاملات الإسلامية هو التداول عن طريق السلع والخدمات، لكن الحاجة هنا تنبع من تطور النشاط الاقتصادي واضطرار العميل الحصول على السيولة النقدية.

لذا فإن التوجه الأسلم في هذا المضمار في حال السماح بالتورق هو وضع ضوابط وشروط واضحة كالسماح للمصرف بتوريق نسبة محددة تتيح للعميل الاستمرار بنشاطه الاقتصادي.

 

أيتها الأخوة أيها الأخوات:

إن ما يميز الصيرفة الإسلامية هو سعة أفقها وقدرتها على التوائم ومتطلبات العصر في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية، وهو ما نراهن عليه اليوم قائمين على رسم السياسات النقدية ومشرعين وعاملين في مجال الصيرفة الإسلامية.

إذ ان تحريم استخدام منتج معين أو إباحته ليس بنهاية المطاف طالما أن هناك مزيد من الابتكارات والمنتجات التي قد تكون بديلة وأكثر توافقا وأحكام الشريعة الإسلامية

فاليوم هناك توجه نحو ما يعرف ببيع الرجا وهو قيام العميل ببيع أصل إنتاجي إلى المصرف الإسلامي بسعر أقل من سعر المثل يتفق عليه بين المصرف والعميل مع حق العميل في فسخ البيع واسترجاع الأصل خلال فترة زمنية معينة، ويصبح البيع نافذا بمضي هذه الفترة.

إن هذا النوع من البيوع مثلاً قد يكون الحل لمشكلة التورق وضمان لحصول عملاء المصرف الإسلامي على السيولة اللازمة وقت الحاجة.

 

أيتها السيدات والسادة: 

لقد لازمت مسيرة التمويل الإسلامي جملة من التحديات أصبح من الضروري الآن، لاسيما في ظل الأزمة المالية، بذل الجهود لمواجهتها سواء من قبل المؤسسات المالية نفسها أو من قبل السلطات الرقابية داخل الدولة أو من قبل المؤسسات الدولية المعنية، ولعل أبرز هذه التحديات:

·   إيجاد البيئة الملائمة لتكريس وتعزيز اعتماد نموذج المشاركة في المخاطر والعوائد فلم يتمكن العمل المصرفي الإسلامي حتى الآن من كسر قيود العمل المصرفي التقليدي.

·        إيجاد الأطر القانونية والضريبية الملائمة لتسهيل عمل المصارف الإسلامية.

·        الإسراع في تطوير واستكمال المعايير الموحدة لتنظيم عمل المصارف الإسلامية.

·        توحيد المرجعية الشرعية لتجنب الانقسام والجدل الفقهي.

·        إيجاد الكوادر البشرية المؤهلة وذات الخبرات المتعددة المصرفية والمحاسبية والشرعية.

·   وضع السياسات الكفيلة بتنويع أدوات وصيغ التمويل وفرص استفادة شرائح أكبر من المجتمعات من خدمات التمويل الإسلامي.

·        تطوير الهندسة المالية الإسلامية والأسواق المالية الإسلامية.

·        التنسيق والرقابة عبر الحدود مع الجهات المعنية لضمان استقرار النظم المالية.

 

أيتها السيدات والسادة: 

بتوجيهات قائد الوطن السيد الرئيس بشار الأسد تطورت الحياة المصرفية في سورية تطوراً كبيراً مصارف خاصة – تمويل صغير – مؤسسات صيرفة – مكافحة غسل الأموال – السرية المصرفية – الثقة بالقطاع المصرفي – الودائع والتسليفات – حماية القطاع المصرفي من نتائج الأزمة.

لقد أسهمت المصارف الإسلامية في سورية منذ بداية عملها في أواخر العام 2007 في توسيع نطاق المستفيدين من الخدمات المالية وتقديم التمويل لمشاريع هامة وحيوية حيث فاق التمويل المقدم من المصارف الإسلامية إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة مثيله المقدم من المصارف التقليدية بمرة ونصف.

على الرغم من وجود مصرفين إسلاميين فقط في السوق السورية يمارسان العمل إلا أن حصة هذه المصارف من السوق في تزايد مستمر حيث بلغت حصة ودائع القطاع المصرفي الإسلامي من إجمالي ودائع القطاع المصرفي الخاص 14% في نهاية عام 2009 مسجلة بذلك نموا قدره 65% في نهاية عام 2009 عما كانت عليه في عام 2008، كما بلغت نسبة التمويل الإسلامي إلى إجمالي التمويل المقدم من القطاع المصرفي الخاص 13% في نهاية عام 2009 مسجلاً بذلك نمواً قدره 48% نهاية عام 2009 عما كان عليه في نهاية عام 2008، هذا وقد ازداد عدد عملاء المصارف الإسلامية بنسبة 95% للفترة ذاتها.

 

إن هذا التطور في القطاع المصرفي الإسلامي جاء نتيجة الخطوات التي اتخذتها السلطة الرقابية في سورية في سبيل إيجاد بيئة ملائمة لعمل المصارف الإسلامية والرقابة عليها وضمان نموها واستمرارها ولعل أهم هذه الخطوات:

·        صدور المرسوم التشريعي رقم (35) لعام 2005 الخاص بالترخيص للمصارف الإسلامية.

·        إلزام المصارف الإسلامية بالمعايير المحاسبية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.

·        إلزام المصارف الإسلامية باتباع معايير وممارسات الحوكمة الجيدة وبما يراعي خصوصيتها.

·        إلزام المصارف الإسلامية العاملة بإنشاء إدارة مستقلة للتدقيق الشرعي الداخلي وفقا للأصول المحددة في دليل الحوكمة.

·        إحداث قسم مستقل للرقابة على المصارف الإسلامية لدى مصرف سورية المركزي ورفده بالكادر المؤهل.

·   رفع رؤوس أموال المصارف الإسلامية إلى 330 مليون دولار أمريكي وإمكانية زيادة نسبة المساهمة الأجنبية إلى 60% من رأس المال.

 

أيتها السيدات والسادة:

 إن الصيرفة الإسلامية قد أصبحت اليوم هدفا تسعى وراءه الدول من العالم الإسلامي وغير الإسلامي، نظرا لتناغمها واستراتيجيات تطوير العمل المصرفي في هذه البلدان حيث حازت المصارف الإسلامية على حصة لا بأس بها من السوق المالي، وازدهرت وتوسعت وانتشر نشاطها ليشمل الكثير من دول العالم، لكن وعلى الرغم من القبول العالمي الذي حظيت به هذه المصارف، إلا أن بذل مزيد من الجهود لا يزال ضروريا لتطوير عملها، وانطلاقا من إدراك المصرف المركزي أهمية ذلك، وحرصا منه على توفير مقومات نجاح هذه الصناعة وإخضاعها شأنها شأن المصارف التقليدية لرقابته، ولأسلوب عمل ومعايير موحدة تنسجم وتطلعات السياسة النقدية، فإن مصرف سورية المركزي يعمل جاهدا اليوم على استكمال ما بدأه من خلال تحقيق مجموعة من الخطوات المستقبلية فنحن اليوم نتطلع لإنجاز النقاط التالية:

·        تعديل مرسوم إحداث المصارف الإسلامية رقم (35) لعام 2005.

·        العمل على إصدار الصكوك الإسلامية التي تقابل السندات التقليدية.

·        العمل على إصدار البطاقات الإسلامية التي تقابل بطاقات الائتمان التقليدية.

·   إيجاد الأدوات الملائمة لإدارة السيولة لدى المصارف الإسلامية، وتحقيق مشاركة المصارف الإسلامية في تمويل مشاريع البنية التحتية والمشاريع الحيوية للاقتصاد الوطني.

·        إيجاد الأطر الملائمة لضمان الودائع في المصارف الإسلامية.

·   إرساء وتفعيل نظام سليم للضبط الشرعي بكل مكوناته وعلى وجه الخصوص تفعيل وظيفة الالتزام الشرعي داخل المصارف وتفعيل وظيفة التدقيق الشرعي الداخلي.

·        إيجاد الآلية الملائمة لتوحيد المرجعية الشرعية للعمل المصرفي الإسلامي في سورية.

·   تبني المعايير الصادرة عن مجلس الخدمات المالية الإسلامية والخاصة بكفاية رأس المال وإدارة المخاطر ومتطلبات الإفصاح لتعزيز الشفافية وانضباط السوق.

 

 

>> المصدر : مصرف سورية المركزي