|
سياسات وإجراءات مصرف سورية المركزية التي ساهمت في مواجهة آثار الأزمة المالية العالمية على سورية.. الدور الفعال للدولة ساهم في إعادة التوازن للاقتصاد الكلي
لقد ألقت الأزمة المالية العالمية بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي خلال العام 2008، ومازلنا حتى اليوم نلمس آثار وتداعيات هذه الأزمة على الأسواق المالية حول العالم ومن المتوقع أن تدوم لفترة ليست بالقصيرة حتى بالإضافة إلى نتائجها الخطيرة التي تطول قطاعات الاقتصاد الحقيقي. لقد ثبت من خلال هذه الأزمة أهمية الدور الفعال للدولة في مجال الرقابة وإعادة التوازن للاقتصاد الكلي، فالتوسع غير المنضبط لنشاطات المؤسسات المالية سواء للعمليات داخل الميزانية أو خارجها كان السبب الرئيس في زعزعة النظام المالي العالمي، حيث لم تكن الرقابة المالية والمصرفية كافية وشاملة لجميع جوانب القطاع المالي، إضافة إلى وجود ضعف في الأطر الناظمة لإدارة المخاطر والسيولة. لذلك تسعى المؤسسات الرقابية اليوم إلى تشديد تكامل أنظمة رقابتها وزيادة فعاليتها لتنسجم مع التطورات الأخيرة.
وعلى الرغم من الأحداث التي عصفت بالاستقرار الاقتصادي العالمي الذي بدا مهددا كما لم يبدو من قبل، إلا أننا حافظنا في سورية على المكتسبات التي حققناها نتيجة لجهود الإصلاح التي قمنا بها على مدى الأعوام الماضية. حيث كان للقرارات والتعليمات والضوابط الاحترازية «التي تحدد المخاطر التي تتحملها المصارف المرخصة في سورية» التي وضعها واتخذها مصرف سورية المركزي دورا كبيرا في الحد من آثار هذه الأزمة على القطاع المصرفي في سورية والتي تظهر في المحاور التالية:
بالنسبة للرقابة على القطاع المالي والمصرفي في سورية: إن الأهمية الخاصة للدور الذي يضطلع به القطاع المصرفي في الاقتصاد الوطني يفرض ضرورة التركيز على تنظيم هذا القطاع والإشراف عليه ورقابته بالشكل السليم، حيث تتضمن الرقابة المصرفية «بنوعيها الميدانية والمكتبية» جانبين، الأول يتمحور حول وضع التشريعات والضوابط، والثاني في التأكد من التزام المؤسسات المالية بهذه التعليمات.
يضع مجلس النقد والتسليف المعايير والضوابط التي يجب على المصارف الالتزام بها، فقد اعتمد المجلس في قراراته تطبيق أهم المعايير المحاسبية الدولية وأهمها معايير بازل2، كما تقوم مديرية مفوضية الحكومة لدى المصارف في مصرف سورية المركزي بالاشراف على المصارف ومراقبتها وفق توجيهات مجلس النقد والتسليف لذا حرص مصرف سورية المركزي على الارتقاء بمستوى الرقابة المصرفية من خلال تطوير مديرية مفوضية الحكومة لدى المصارف، وتدريب العاملين فيها وزيادة مهاراتهم وخبراتهم.
إن التزام المصارف في سورية بالقرارات والتعليمات والضوابط الرقابية يجنبها الوقوع في صعوبات أو اضطرابات، وتساهم بمجملها في حماية القطاع المصرفي في الجمهورية العربية السورية من الأزمات المالية، ومن أهم القرارات المتخذة ضمن هذا المجال:
1 ـ القرار الخاص بالتعليمات الخاصة بالحيطة والحذر في التعامل مع الزبائن.
2 ـ القرار الخاص بالاحتياطي الإلزامي على الودائع والذي تم رفعه الى 10% بهدف الحد من سيولة السوق وجعل المصارف أكثر حصانة لمواجهة أية هزات من الممكن أن تتعرض لها.
3 ـ نسب السيولة الواجب الاحتفاظ بها لدى المصارف من كافة العملات.
4 ـ تصنيف مخاطر الديون ونظام تكوين المؤونات للديون غير المنتجة.
5 ـ القواعد العامة للأخطار المصرفية والعملاء المتخلفين عن الوفاء.
6 ـ الحدود القصوى المسموح بها لتركيزات المخاطر المصرفية.
7 ـ التعليمات الخاصة بمراكز القطع الأجنبي.
8 ـ كفاية رأس المال وتضمينها مخاطر السوق انسجاماً مع مقررات بازل 2.
9 ـ التعليمات الخاصة بالحد الأقصى للتسهيلات والتمويلات المسموح بها.
بالنتيجة، يمكننا القول إن قرارات مجلس النقد والتسليف ومصرف سورية المركزي ساهمت بوجود دور فعال للرقابة المصرفية حيث أدت هذه القرارات الى حماية وتحصين القطاع المصرفي وساهمت الضوابط الموضوعة في جعل الآثار السلبية للأزمة المالية على المصارف في الحد الأدنى، ويظهر ذلك جلياً من خلال الإيداعات والسحوبات لدى المصارف ومن خلال استقرار وزيادة الودائع بالليرات السورية وبالقطع الأجنبي ومن خلال معدلات السيولة العالية التي تتمتع بها المصارف في سورية، حيث بفرض مصرف سورية المركزي عدداً من الضوابط باتجاهات مختلفة: سعر الصرف، القطع الأجنبي، معايير بازل للرقابة المصرفية، الحدود القصوى للتسهيلات الممنوحة، التوظيفات والاستثمارات المصرفية في الخارج. إضافة لما ذكرنا فإن المصارف السورية جميعها من مصارف التجزئة وليست مصارف استثمارية لذلك فإن التأثير سيكون محدوداً عليها من حيث المبدأ، يضاف إلى ذلك عدم وجود سوق مالي في سورية وتركز نشاط المصارف خاصة والقطاع المالي عامة في السوق المحلي.
والجدير بالذكر فيما يخص أسعار الفائدة فقد اتخذ مجلس النقد والتسليف خلال الأعوام الأربعة الماضية حزمة من القرارات بهدف تغيير هيكلية الودائع لتصبح أكثر استقراراً، من خلال تخفيض نسبة الحسابات الجارية وودائع التوفير «التي هي ودائع تحت الطلب» وزيادة نسبة الودائع لأجل لدى المصارف، وتم ذلك بشكل تدريجي مستمر وعلى عدة مراحل ضمن إطار خطة مدروسة بهدف جعل هيكلية الودائع أكثر ملائمة مع حاجات الإقراض الاستثماري. ومن جهة أخرى قام مجلس النقد والتسليف بمنح المصارف هوامش حرية أوسع في تحديد معدلات الفوائد وفقاً لأوضاع السوق بشكل متدرج، والانتقال من تحديد أسعار الفائدة بشكل إداري على كل من الودائع والقروض، إلى جعل أسعار الفائدة المدينة «الفوائد على الإقراض» المحددة وفقاً لقرارات مجلس النقد والتسليف معدلاتٍ تأشيرية تسترشد بها المصارف العاملة في سورية الخاصة منها والعامة عند تحديدها لأسعار الفائدة لديها، أما أسعار الفائدة الدائنة «الفوائدة على الودائع» فقد أعطى المصارف هامش حركة ـ+2%حول المعدلات التي يقرها المجلس.
وتجدر الإشارة إلى أن الإطار الحالي لمعدلات الفائدة المصرفية في القطاع المصرفي السوري يتمثل بما يلي:
¼الفائدة على الإقتراض من المصارف: تم تحرير أسعار الفائدة على التسهيلات الائتمانية بشكل كامل، فلم تعد تحدد إدارياً من قبل المصرف المركزي وإنما يقوم كل مصرف، سواء مصرفاً عاماً أم خاصاً، بالاعتماد على سياسته التمويلية الخاصة في تحديد أسعار الفائدة على قروضه مرتكزاً على تكلفة الأموال لديه والعائد المستهدف، ومحدداً ضمن إطار تنافسية السوق.
¼الفائدة على الإيداع لدى المصارف: تم تحريك أسعار الفائدة الدائنة ومنحها هامش حرية «4 نقاط مئوية حول المعدل التأشيري» للحصول على هيكلية أسعار فائدة متسقة من حيث الاستحقاق.
¼الفائدة على القطع الأجنبي: محررة كليّاً حيث يتبع كل مصرف السياسة المناسبة حسب الظروف الخارجية وشروط المنافسة في الداخل.
ومن ناحية القطاع الحقيقي فقد كان لمصرف سورية المركزي دور أساسي، كراسم للسياسة النقدية ومراقب على حسن تنفيذها، في الحد من آثار الأزمة العالمية على هذا القطاع، من خلال الحد من التوسع غير المنضبط في منح الائتمان وتشجيع تمويل المشاريع الاستثمارية والتنموية، وذلك من خلال محورين: الأول: تأمين المصادر المالية طويلة الأجل التي تمكن هذه المصارف من القيام بالتمويل الاستثماري المطلوب، والثاني: فتح قنوات جديدة للمصارف لتقوم من خلالها بهذا النوع من الإقراض. تم ذلك عن طريق حزمة من القرارات الداعمة لتمويل المشاريع الاستثمارية والتنموية وتمويل التجارة الخارجية ومنها: السماح للمصارف المرخصة بمنح التسهيلات المصرفية بالعملات الأجنبية لمن يرغب من المستوردين من القطاعين الخاص والمشترك لتمويل عمليات الاستيراد بالقطع الأجنبي بعد الحصول على الضمانات اللازمة، السماح للمصارف العاملة في الجمهورية العربية السورية الاستفادة من برنامج تمويل التجارة العربية كوكالات وطنية للبرنامج، السماح للمصارف المرخصة بمنح القروض بالعملات الأجنبية لتمويل مشاريع استثمارية تنموية في القطر وذلك لمصلحة المشاريع المرخصة وفق قوانين تشجيع الاستثمار في القطر، السماح للمتعاملين بأحكام قوانين تشجيع الاستثمار في القطر، الحصول على تسهيلات مصرفية بالعملات الأجنبية من المصارف المرخصة، والسماح للمصارف التقليدية بالدخول في عمليات تمويل مجمع مشترك مع المصارف الإسلامية بشرط الالتزام بالمعايير الشرعية، وإحداث مؤسسة لضمان مخاطر القروض والتي انطلق العمل بها في بداية عام 2009.
بالنتيجة كان لمصرف سورية المركزي دور أساسي، كراسم للسياسة النقدية ومراقب على حسن تنفيذها، في الحد من آثار الأزمة العالمية على القطاع الحقيقي، يتركز في الحد من التوسع غير المنضبط في منح الائتمان وتشجيع تمويل المشاريع الاستثمارية والتنموية، وذلك من خلال محورين: الأول، تأمين المصادر المالية طويلة الأجل التي تمكن هذه المصارف من القيام بالتمويل الاستثماري المطلوب، والثاني: فتح قنوات جديدة للمصارف لتقوم من خلالها بهذا النوع من الإقراض.
وتجدر الإشارة إلى أنه يتم التحضير الآن لإصدار قرار بخصوص ضمان سيولة المصارف بحيث يضمن المصرف المركزي تأمين السيولة المطلوبة لهذه المصارف، الأمر الذي يشجعها على التوسع في منح التمويل طويل الأجل والاستثماري المنتج، ومن جهة أخرى يجري العمل على استصدار ما يلزم لاستثناء المشاريع الاستثمارية التنموية في القطر من تعليمات تركزت حول المخاطر المصرفية التي يجب على المصارف الالتزام بها، بما يمكن المصارف العاملة من منح التمويلات الكبيرة الضرورية لعمليات التنمية وذلك بهدف تمكينها من تعبئة المدخرات لديها بالليرات السورية أو بالقطع الأجنبي إلى تمويل الاستثمارات الوطنية.
وبالنسبة لسعر الصرف، لا يخفى على أحد أن مصرف سورية المركزي قد قطع شوطاً كبيراً في مجال إصلاح نظام الصرف وسياسة سعر الصرف، إذ وضع خلال الفترة الماضية الدعائم الأساسية لبناء سياسة سعر صرف فعالة حيث تم استثمار الاستقرار السياسي الذي تنعم به سورية كداعم أساسي لعملية الإصلاح ولتبني عليه الأسس الكفيلة لترسيخ دعائم الاستقرار في القطاع النقدي والمصرفي، فبعد أن كان سعر صرف الليرة السورية يتأثر فقط بمؤثرات خارجة عن سياسة مصرف سورية المركزي، وتحدده قوى مختلفة في السوق غير النظامية أصبح مصرف سورية المركزي اليوم يتحكم وإلى حد كبير بتحديده.
ويعود استقرار سعر صرف الليرة السورية خلال الأعوام القليلة الماضية إلى عدد من الخطوات المتتالية التي تتدرج ضمن خطة واضحة متدرجة وشفافة تم تنفيذها من خلال قرارات مجلس النقد والتسليف التي ساهمت في خلق المناخ الملائم لإعادة مهمة تحديد سعر الصرف إلى مصرف سورية المركزي، والانتقال من نظام تعدد أسعار الصرف إلى توحيد سعر صرف الليرة السورية والذي تم بدء العمل به في مطلع العام 2007، وفك ارتباط الليرة السورية بالدولار الأميركي مقابل ربطها بسلة عملات «وحدة حقوق السحب الخاصة"، إلزام المصارف باعتماد التعليمات الخاصة بمراكز القطع الأجنبي، إقرار التعليمات التنفيذية لمزاولة مهنة الصرافة، لاعتماد عملة اليورو بدلاً من الدولار الأميركي في جميع تعاملات القطاع العام والمشترك.
إن سياسة مصرف سورية المركزي تقوم على استهداف سعر الصرف الذي يشكل الهدف الأولي والأساسي للسياسة النقدية، الأمر الذي يتطلب توفير كل المقومات الأساسية لبناء آلية تحديد سعر الصرف بما يتلاءم مع معطيات الاقتصاد الوطني. وقد استطاع مصرف سورية المركزي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية الأمر الذي انعكس بشكل ايجابي على زيادة الثقة بالاقتصاد الوطني، وبقدرة مصرف سورية المركزي على تحقيق هدفه في استقرار سعر الصرف. ومن جهة أخرى فإن استقرار سعر صرف الليرة السورية انعكس بشكل ايجابي على رصيد ميزان الحساب الجاري بشكل عام وبشكل خاص على الجزء المتعلق بالمبادلات السلعية والخدمية للقطاع الخاص، الأمر الذي يدل على تحسن تنافسية الاقتصاد الوطني. بالإضافة إلى أن سياسة سعر الصرف الحالية تعمل وبنجاح كمثبت اسمي (Nominal Anchor) من أجل تثبيت توقعات التضخم داخل الاقتصاد الوطني، لذا يمكن الحكم أن سعر الصرف الاسمي الحالي مدار بشكل جيد ومتوازن ويرفع من مستوى تنافسية الاقتصاد الوطني في المبادلات السلعية والخدمية.
|